الثلاثاء، 15 سبتمبر، 2009

محاضرات في العلاقات الدولية الآسيوية والإفريقية 1 من 2

وزارة التعليم العالي والمتوسط الفني بجمهورية أوزبكستان
جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية
أ.د. محمد البخاري
محاضرات في العلاقات الدولية الآسيوية والإفريقية
طشقند - 2001
تأليف: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه فلسفة في الأدب ( صحافة) أستاذ مساعد بقسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانون بمعهد طشقند الحكومي للدراسات الشرقية.
مراجعة: د. سرفار جان غفوروف: عميد كلية العلاقات الدولية والاقتصادية بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية. أ.د. فاليري كيم: رئيس قسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانونية بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية.
أقرت هذه المادة الدراسية لطلاب السنة الأولى ماجستير، خلال جلسة قسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانونية بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، عام 2001.
المحتويات: تعريف الدبلوماسية؛ مصطلح العلاقات الدولية؛ تحديد أطر العمل الدبلوماسي؛ الأجهزة الدبلوماسية والعلاقات الدولية؛ القانون الدولي ونشاطات الأجهزة الدبلوماسية؛ نشاطات الأجهزة الدبلوماسية في ظل الحروب والنزاعات المسلحة؛ من تاريخ العلاقات الدولية؛ العلاقات الدولية عند الفراعنة؛ العلاقات الدولية عند الإغريق؛ العلاقات الدولية عند الرومان؛ العلاقات الدبلوماسية الدولية عند البيزنطيين؛ العلاقات الدبلوماسية الدولية عند العرب، قبل وبعد ظهور الإسلام وفي عهد الخلافة الإسلامية؛ العلاقات الدولية التقليدية؛ العلاقات الدولية المعاصرة؛ الأجهزة القيادية والإدارية للعلاقات الدولية الآسيوية الإفريقية؛ الأجهزة التنفيذية في مجال العلاقات الدولية؛ أجهزة وزارات الخارجية؛ العلاقات الدولية الآسيوية والإفريقية؛ الهدف من العلاقات الدولية الأسيوية والإفريقية؛ آثار السيطرة الاستعمارية على بعض الدول لآسيوية والإفريقية؛ وسائل السيطرة الاستعمارية؛ محاولة الدول الآسيوية والإفريقية التصدي لآثار الأساليب الاستعمارية؛ التطور التاريخي للاستعمار؛ تزايد الحركات القومية المطالبة بالتحرر والاستقلال في المستعمرات؛ ظاهرة الاستعمار الجديد؛ مفهوم الاستعمار الجديد؛ الآثار التي سببها الاستعمار في العلاقات الدولية؛ الأدوات الاقتصادية في العلاقات الدولية الآسيوية والإفريقية؛ الأدوات الاقتصادية الرئيسية في العلاقات الدولية؛ سياسة المعونات الاقتصادية والمساعدات الفنية الخارجية؛ بعض مؤسسات التعاون الاقتصادي والفني الإقليمية والدولية؛ الخاتمة؛ المراجع.
تعريف الدبلوماسية: يرجع أصل كلمة دبلوماسية Diplomacy إلى اللغة اليونانية القديمة، وتعني الوثيقة المطوية التي تعطي حاملها امتيازات معينة، أو تحوي ترتيبات خاصة للجاليات الأجنبية. فكلمةDiploun لدى الإغريق معناها يطوي. وكانت الوثائق الرسمية عند الرومان تنسخ على ألواح معدنية، وتطوى بطريقة خاصة تسمى Diplomas. ولما كثر استخدام تلك الوثائق، استعملت كلمة دبلوماسية Diplomacy خلال القرون الوسطى للدلالة على دراسة الوثائق وترتيبها وحفظها.
ومع بداية القرن التاسع عشر بدأت كلمة دبلوماسية تأخذ معناها المتعارف عليه الآن، وخاصة بعد مؤتمر فيينا عام 1815، عندما ظهرت كوادر دبلوماسية متميزة عن رجال السياسة والحكم، مهمتها القيام بالاتصالات والعلاقات الدولية.
مصطلح العلاقات الدولية: من الطبيعي أن يتطور مدلول الدبلوماسية ونطاقها وأساليبها بتطور المجتمع الدولي نفسه، بحيث أصبح اصطلاح دبلوماسية يطلق للدلالة على معان متعددة. فالدبلوماسية أساساً هي إدارة العلاقات الرسمية بين الدول، لأنها ترتكز على الاتصالات القائمة بين الدول، والبعض يعتبرها طريقة لتنظيم العلاقات الدولية. والدبلوماسية أساساً علم وفن: علم: يبحث في طريقة إدارة وتنظيم تلك العلاقات، وتبادل البعثات، وتسوية الخلافات. وفن: يعكس أسلوب ممارسة العلاقات الدبلوماسية من خلال السفراء والمبعوثين كل بطريقته الخاصة. والدبلوماسية كما هو شائع اليوم، ترمز للطريقة التي تدير بها الدولة علاقاتها مع الدول الأجنبية تنفيذاً لسياستها الخارجية. فيقال: الدبلوماسية الأوزبكستانية، والدبلوماسية الأمريكية، والدبلوماسية الروسية، والدبلوماسية المصرية، والدبلوماسية الهندية، والدبلوماسية العربية، والدبلوماسية الأوروبية، والدبلوماسية الإفريقية، وهكذا.
وقد يطلق مصطلح الدبلوماسية على الطريقة التي تدار بها الاتصالات الخارجية بين الدول، فيقال: دبلوماسية الرؤساء، ودبلوماسية القمة، والدبلوماسية السرية، ودبلوماسية التنقل أو الدبلوماسية المكوكية، ودبلوماسية المؤتمرات، ودبلوماسية المنظمات الدولية، والدبلوماسية الشعبية، وهكذا..
وتوسع مفهوم مصطلح دبلوماسي في الوقت الحاضر ليصبح رمزاً للباقة والكياسة وحسن التصرف في التعامل مع الغير.
تحديد أطر العمل الدبلوماسي: الدبلوماسية والسياسة الخارجية: السياسة الخارجية للدولة: هي مجموعة الخطط والأعمال والتصرفات التي تقوم بها أجهزة الدولة المختصة في علاقاتها الخارجية. والدولة عندما ترسم سياستها الخارجية، تضع في اعتبارها أولاً المصلحة الوطنية العليا، معتمدة على ظروفها الداخلية والتاريخية والثقافية والإقليمية، إضافة لموقعها الجغرافي والإستراتيجي المتميز. والفارق بين السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي، بأن: السياسة الخارجية للدولة تضعها المؤسسات الدستورية، ممثلة بسلطة رئيس الدولة، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، المستمدة من إرادة الشعب. أي أن السياسة الخارجية في الأصل هي قرار سياسي تتخذه السلطات الشرعية في الدولة، من أجل الدفاع عن مصالحها الوطنية العليا، وفق منظور النظام السياسي السائد في الدولة؛ أما العمل الدبلوماسي فهو أداة لتنفيذ تلك السياسة الخارجية المرسومة للدولة، والتي سبق وشارك الجهاز الدبلوماسي للدولة في رسمها، عن طريق تجميع وتقييم المواقف والمعلومات عن أوضاع الدول الأجنبية. من أجل تحقيق كامل أهداف السياسة الخارجية للدولة في إطار العلاقات الدولية المتشعبة.
الأجهزة الدبلوماسية والعلاقات الدولية: من المعروف أن أية دولة من دول العالم لا تستطيع العيش بمفردها، بمعزل عن باقي دول العالم، لأن لها مصلحة حيوية في الاتصال الدائم والمستمر بالدول الأخرى، بغرض دعم مصالحها الوطنية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والعلمية، والعسكرية، والدفاع عنها. ورعاية حقوق ومصالح مواطنيها في الخارج، والمساهمة في عملية حفظ الأمن والسلام والاستقرار العالمي. وتحتاج الدولة من أجل إدارة علاقاتها الدولية المتشعبة، جهاز متخصص يمثلها ويعبر عن رأيها، ويهتم بتبادل المصالح مع غيرها من الدول. وهي الوظيفة التي يقوم بها الجهاز الدبلوماسي لتحقيق هذا الهدف. ومنه فإن الجهاز الدبلوماسي هو نتاج مباشر للعلاقات الدولية، ولابد للقائمين بالعمل الدبلوماسي من أن يدرسوا واقع وتاريخ العلاقات الدولية والعلاقات الدبلوماسية، لأن ذلك يشكل القاعدة الأساسية التي يبنى عليها العمل الدبلوماسي، والعلاقات الدولية بصورة عامة. خاصة وأن العلاقات الدولية المعاصرة تشعبت اليوم في عصر العولمة، واتسع نطاق العمل الدبلوماسي ليتجاوز الإطار السياسي في التعامل بين الدول، ليشمل الجوانب الاقتصادية والثقافية والعلمية والإعلامية والعسكرية وغيرها من الجوانب، لتصب كلها معاً في نهاية المطاف في إطار العلاقات السياسية الدولية.
والجهاز الدبلوماسي أساساً يمثل شخصية الدولة وسيادتها على الصعيد الدولي، وهو ميدان للعلاقات الدولية، ولا يكفي وحده لإضفاء حالة من الود والصداقة بين دولتين إذا كانت علاقاتهما غير ودية، ولكن نشاطات الجهاز الدبلوماسي الناجحة قد تنجح في تلطيف الأجواء واحتواء الخلافات ومن ثم تخفيفها تمهيداً لإزالتها، عن طريق تذليل العقبات والرواسب التاريخية غير الودية بين الدولتين، وتقريب وجهات النظر، وصولاً للتفاهم حول المصالح الوطنية المتبادلة. الأمر الذي يحتاج لدراسة متعمقة واعية لواقع وتاريخ العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية الدولية.
القانون الدولي ونشاطات الأجهزة الدبلوماسية: القانون الدولي هو: مجموعة من الأسس والقواعد والاتفاقيات المبرمة بين دولتين أو أكثر، خارج أو ضمن إطار المنظمات الدولية أو الإقليمية المعترف بها دولياً، كمنظمة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ورابطة الدول المستقلة، وغيرها، بغرض تنظيم العلاقات بين الدول في إطار تنظيم دولي محدد، يتقيد العمل الدبلوماسي في إطاره.
والارتباط وثيق بين قواعد القانون الدولي والعمل الدبلوماسي، لأن ما كان بالأمس عرفاً في العلاقات بين الدول، أصبح اليوم خاضعاً للقوانين والقواعد الدولية الناظمة لنشاطات الأجهزة الدبلوماسية، ويتم من خلال تلك القوانين والقواعد المعترف بها، توفير الحماية والحصانة الدبلوماسية لأعضاء البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى الدول المضيفة.
بفارق أن نشاطات الأجهزة الدبلوماسية هي أكثر مرونة من قواعد القانون الدولي ومصدراً من مصادر أحكامه، لأن تلك الأحكام تبقى عرفاً متبعاً في العلاقات بين الدول إلى أن يتم إبرامها في اتفاقيات ومعاهدات موقعة ومعتمدة من قبل المؤسسات الدستورية للأطراف المشاركة فيها، بعد جهود الأجهزة الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر المختلفة لدول العالم.
نشاطات الأجهزة الدبلوماسية في ظل الحروب والنزاعات المسلحة: من المعروف أن نشاطات الأجهزة الدبلوماسية أساساً تسعى لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول، والحفاظ على علاقات ودية بينها، خدمة للأمن والسلام والاستقرار العالمي. ولذلك فنشاطات الأجهزة الدبلوماسية لا تتوقف عند نشوب حرب أو نزاع مسلح بين دولتين أو أكثر، بل على العكس نرى أن نشاطات الأجهزة الدبلوماسية تشتد وتتكاثف قبل وخلال وبعد النزاعات المسلحة والحروب بقصد الحيلولة دون نشوبها ووقفها والتخفيف من آثارها.
وتختلف نشاطات الأجهزة الدبلوماسية أثناء الأزمات وفق مواقف ومصالح الدول المعنية في الصراع: فالدولة التي اختارت الحل العسكري لحسم الوضع لصالحها، تسبق العمليات العسكرية وتواكبها بحملة دبلوماسية مكثفة، الهدف منها تبرير وتفسير أسباب لجوئها لاستخدام القوة المسلحة لحسم الوضع لصالحها، وكسب تأييد وتعاطف الرأي العام العالمي، وعدد كبير من دول العالم لقرارها في اللجوء إلى الحرب، أو على الأقل تحييد مواقف الدول التي لا تؤيد موقفها كي لا تتعاطف مع الخصم أثناء النزاع المسلح. بينما قد تلجأ الدول الصديقة، ومجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة، والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى، وبشكل عاجل إلى تكثيف جهودها واتصالاتها بكافة السبل والطرق الدبلوماسية لاحتواء الصراع ووقف القتال بين القوات المتحاربة والفصل بينها، منعاً لتهديد الأمن والسلام في منطقة الصراع وانتشاره لمناطق أخرى. بينما تلجأ الدول أو التجمعات الإقليمية والدولية التي تتأثر مصالحها الوطنية من الصراع إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية، عن طريق عرض الوساطة بين طرفي الصراع، ومحاولة حل النزاع عن طريق طرح المبادرات السلمية بمبادرة منها، كمبادرة 6+2 التي بادر بها الرئيس الأوزبكستاني إسلام كريموف لوقف الصراع الدامي على الأرض الأفغانية مثلاً. أو قيام الدول الصديقة برعاية مصالح الدولتين المتحاربتين، بعد أن تسبب الحرب بقطع العلاقات الدبلوماسية بينهما. بينما تكثف الدول العظمى جهودها الدبلوماسية المباشرة، وغير المباشرة، ومن خلال المنظمات الدولية والإقليمية، لاحتواء الصراعات الإقليمية حماية لمصالحها الوطنية العليا، والتأثير على مسار العمليات العسكرية، بالتدخل مباشرة في الصراع لصالح الطرف الحليف المتورط في الصراع، بشكل ينعكس مباشرة على نتائج الحرب لصالحها وصالح حليفها.
والأمثلة على الجهود الدبلوماسية المكثفة في العلاقات الدولية الحديثة كثيرة ومنها: النزاع العربي الإسرائيلي الممتد عبر أكثر من نصف قرن حول القضية الفلسطينية واحتلال إسرائيل لأراضي جيرانها العرب، والنزاع الهندي الباكستاني المستمر حول جامو وكشمير منذ عدة عقود، والتورط العسكري الأمريكي في الحرب الفيتنامية في أواخر الستينات وحتى عام 1975، والتدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974، والاجتياح العسكري السوفييتي لأفغانستان عام 1979 والذي كان نقطة البداية للحرب الأهلية المستمرة حتى اليوم، والتي تحولت إلى مصدر تهديد للأمن والاستقرار في منطقة آسيا المركزية وأنحاء مختلفة من العالم، والحرب العراقية الإيرانية عام 1980، واجتياح القوات العراقية لدولة الكويت عام 1990، وحرب تحريرها التي شاركت فيها قوات من أكثر من 60 دولة عام 1991، والنزاعات في يوغسلافيا السابقة (البوسنة والهرسك، كرواتيا، كوسوفو)، وغيرها من النزاعات، والحروب التي خاضتها إرتريا منذ استقلالها ضد جارتيها اليمن وإثيوبيا، بسبب النزاع على الحدود.
من تاريخ العلاقات الدولية: العلاقات الدبلوماسية الدولية قديمة قدم التاريخ، وكانت في المجتمعات البدائية وسيلة للتفاهم بين القبائل تفادياً للاشتباكات وتسوية النزاعات حول حقوق الصيد والمرعى. ورافقها أسلوب إرسال المبعوثين الذي أدى بدوره لظهور مبدأ الحصانة الدبلوماسية لتأمين حياة المبعوثين في مهام دبلوماسية. وقد عرف التبادل الدبلوماسي قديماً في الحضارات اليونانية والبابلية والفرعونية والصينية والرومانية والهندية. وذكر الباحث المصري جمال بركات، أن الإمبراطور الصيني "ياو" (نحو عام 2000 قبل الميلاد) كان يستقبل البعثات الدبلوماسية من الدول المجاورة وفقاً لمراسم معتمدة. وأن قانون "مانو" في الهند (حوالي عام 1000 قبل الميلاد)، نص على أن: "يختار الملك الحكماء لإرسالهم في بعثات دبلوماسية للدول المجاورة". وقد حملت النصوص المكتوبة من الحضارتين البابلية والمصرية نصوص أولى معاهدات الصداقة والتحالف بين الدول في التاريخ، ونصوص المراسلات العديدة بين الدول القديمة.
العلاقات الدولية عند الفراعنة: سجل تاريخ العلاقات الدبلوماسية الدولية في العصور القديمة إسهامات الحضارة الفرعونية القديمة في وادي النيل بأول معاهدة مكتوبة عرفها التاريخ الإنساني. وأثبت ذلك الحفريات الأثرية في تل العمارنة في مصر، التي كشفت اللقيات الأثرية فيه تفاصيل معاهدة "قادش"، بين رمسيس الثاني وملك الحثيين خاتو سيل الثالث، الموقعة عام 1278 قبل الميلاد، والمحفوظة اليوم في المتحف المصري بالقاهرة. وتعتبر هذه المعاهدة من حيث إعدادها وصياغتها نموذجاً لأصول المعاهدات في العلاقات الدولية القديمة. وتضمنت تلك الاتفاقية مجموعة من البنود، أهمها: إقرار السلام وحسن الجوار بين الدولتين؛ التحالف الدفاعي ضد العدو الخارجي؛ تسليم المجرمين السياسيين، (خلافاً للمتبع في المعاهدات الدولية المعاصرة)؛ تحريم الآلهة لنقض المعاهدة.
العلاقات الدولية عند الإغريق: يتفق معظم الكتاب الغربيون على أن العلاقات الدبلوماسية الدولية بدأت لدى الإغريق، من خلال العلاقات بين الدويلات اليونانية القديمة. ويستندون في ذلك إلى بعض المصطلحات اليونانية القديمة التي استخدمت في نصوص الاتفاقيات آنذاك، والتي لم تزل معروفة في اللغات الغربية حتى اليوم. والسبب كان قيام العديد من دويلات المدن المتجاورة، والمشتركة في المصالح، بنوع من العلاقات الدبلوماسية تضبط العلاقات والتعاون بينها.
ولم تكن البعثات الدبلوماسية آنذاك بعثات دائمة، بل كانت ذات طبيعة خاصة أو مؤقتة، توكل الواحدة منها لأكثر من سفير واحد يمثلون وجهة نظر مدينتهم، وكثيراً ما كان أولئك السفراء الذي يختارون عادة من بين الحكماء والخطباء والشعراء، يختلفون فيما بينهم حول كيفية معالجة المواضيع التي تكفل الدفاع عن مصالح مدينتهم، أثناء تحدثهم أمام مجالس المدن الأخرى. أما المباحثات فقد كانت تجري سنوياً بين المبعوثين الدبلوماسيين الذين يلجأون إلى كتابة الاتفاق الذي يتوصلون إليه عن طريق حفره على لوح حجري خاص يعرض على الجميع. وقد عرف أسلوب الإغريق في المفاوضات، الحياد والتحكيم في المنازعات بين المدن، التي كانت تختار لنفسها في بعض الأحيان مدينة حيادية أو شخص ذو سمعة طيبة من الفلاسفة أو الحكماء للتحكيم في النزاع بينها. كما ونشأ عند الإغريق نظام القناصل Proxenjs، وكان القنصل ينتمي عادة لمواطني المدينة التي يسكن فيها، ومهمته المحافظة على مصالح مواطني المدينة التي عينته قنصلاً لها. وهو ما يشبه اليوم نظام القناصل الفخريين المتبع في بعض الدول حتى اليوم.
ومع قدوم القرن الخامس الميلادي أصبح للمدن اليونانية القديمة قواعد عامة تحكم علاقاتها الدولية، سواء في وقت السلم أم في وقت الحرب، وتضبط معاهداتها، وتنظم عقد المؤتمرات الإقليمية، وتبادل السفراء. وتحدد وظائف القناصل ومهامهم، وأسس معاملة الأجانب. أدت كلها للاعتراف بوجود مبادئ إلهية وإنسانية تحكم العلاقات الدولية آنذاك.
العلاقات الدولية عند الرومان: ترك الرومان تراثاً ثقافياً وقانونياً غنياً، ولكن العلاقات الدبلوماسية الدولية في عهدهم لم تتطور بسبب الأسلوب الذي كان يتبعه الرومان، والمتمثل بفرض آرائهم على الغير عن طريق القوة والسيطرة، وفرض إرادتهم وعاداتهم وتقاليدهم على الشعوب المستعمرة بالقوة والقهر. ولهذا نجحوا في وضع صيغ قانونية صارمة تربط الأمم التابعة بهم عن طريق المعاهدات التي تلزمهم بها وباحترام نصوصها. ومن المعروف أن الرومان تفوقوا في القانون، فقد وضعوا القانون المدني الذي طبق على الرومان فقط، وقانون الشعوب (Jus gentium ) الذي طبق على الأجانب والرومان معاً. إضافة لمجموعة من القواعد القانونية (Jus fetiale) وضعها الرومان لتضبط حالة الحرب وإنهائها، والمفاوضات وأحكامها، والمعاهدات وإبرامها. كما أدخل الرومان بعض الإضافات على النظم الدبلوماسية التي كانت متبعة في المدن الإغريقية، كتعيين السفراء، وتفويضهم، وتزويدهم بالتعليمات اللازمة من قبل مجلس الشيوخ، واختيارهم من بين الشخصيات البارزة على مستوى أعضائه، ووضع الرومان قواعد لاستقبال السفراء في روما وحصانتهم الدبلوماسية، ولم تكن السفارات آنذاك مقيمة بل قصيرة الأمد.
واهتم الرومان بالمراسم والشكليات، إذ كان السفير يقف عند مشارف مدينة روما حتى يؤذن له بدخولها، وعند دخوله كان ينزل في قصر الضيافة حتى يؤذن له بإلقاء خطابه أمام مجلس الشيوخ، وضمن حقه باصطحاب مترجم، وحق أعضاء مجلس الشيوخ بتوجيه الأسئلة إليه بعد انتهائه من إلقاء خطابه. وفي حال رفض مجلس الشيوخ الاعتراف بالسفير الزائر، أو السماح له بالتحدث أمامه، كان يحرم من الحصانة الدبلوماسية، ويعاد من حيث أتى تحت الحراسة. كما وجرت العادة آنذاك على تحديد مدة زمنية قصوى لانتهاء مهمة السفير، فالمدة المتاحة لسفراء مقدونيا مثلاً كانت ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق معهم، ويعتبر السفير بعدها جاسوساً، ويقتاد إلى الشاطئ ويعاد من حيث أتى. وهي من أساليب الضغط التي كانت تمارسها الإمبراطورية الرومانية في التعامل من منطق القوة والغلبة في الحرب والسلم على السواء. واتبع الرومان أسلوب الحصول على رهائن من الطرف المغلوب، لضمان تنفيذ المواثيق والمعاهدات الدولية. وفي حال خرق الطرف المغلوب لبنود المعاهدة يعتبر الرهائن أسرى حرب ويوضعوا رهن الاعتقال، وهو الأسلوب الذي ظل متبعاً في القرون الوسطى وتغير اليوم ليصبح متبعاً خلال العمليات الحربية فقط.
العلاقات الدبلوماسية الدولية عند البيزنطيين: بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى دولتين، وهي: الدولة الرومانية الغربية، وعاصمتها روما؛ والدولة البيزنطية الشرقية، وعاصمتها القسطنطينية (اسطنبول اليوم). إضافة لظهور دول قوية أخرى في تلك الحقبة التاريخية، أمثال: الدولة الأموية الإسلامية في الأندلس (إسبانيا اليوم)؛ والدولة العباسية الإسلامية في بغداد (العراق اليوم)؛ ودولة شارلمان في غرب أوروبا (فرنسا اليوم)، التي حاولت التحالف مع بابا روما، ظهرت حاجة الدولة البيزنطية للعلاقات الدبلوماسية الدولية، فقامت بإنشاء إدارات خاصة تابعة للحكومة الإمبراطورية، مهمتها تنظيم العلاقات الدولية للإمبراطورية، وإعداد متخصصين، ومفاوضين مدربين، ودبلوماسيين محترفين، يمثلونها لدى الدول الأجنبية التي كانت قائمة آنذاك. وكان من المتبع في ذلك الزمن أن يبعث الإمبراطور الجديد لدى تنصيبه، بسفراء إلى الدول الأجنبية يبلغونها بالحدث. وكان من المتبع آنذاك أيضاً، أن يأخذ السفراء معهم بضائع يبيعونها في السوق المحلية للإنفاق على بعثتهم، إلا أن هذا الأسلوب أخذ بالاضمحلال تدريجياً، لأنه كان يأخذ كثيراً من وقت السفير في التعاملات التجارية تصرفه عن مهمته الأصلية التي أوفد من أجلها.
وتميزت الدبلوماسية البيزنطية بالاهتمام المفرط بالمراسم والاحتفالات، فأنشأوا لها إدارة خاصة تهتم بالمراسم والشكليات. كما ولجأت بيزنطة في تعاملاتها الدبلوماسية الدولية إلى التزييف والخداع والرشوة والنفاق، من أجل إشاعة الفرقة وتشجيع الخصومة بين الدول المجاورة، وإيهامها بقوة الدولة البيزنطية ومنعتها. وتذكر القصص التاريخية أن الإمبراطورية البيزنطية كانت تلجأ عند استقبالها لسفراء الدول الأجنبية، إلى إقامة احتفال عسكري ضخم، تمر فيه الوحدات العسكرية بكامل أسلحتها في ساحة العرض، وتغادرها من باب، لتعود من باب آخر بأسلحة أخرى لإيهام السفير بأنها وحدات عسكرية أخرى.
كما واتبع الأباطرة البيزنطيون في علاقاتهم الدولية أسلوب التزاوج والمصاهرات مع حكام الدول الأجنبية، لتعزيز مركزهم الدولي ونشر الدين المسيحي الأرثوذكسي الذي يعتنقونه. وكانوا يوفدون لهذه المهمة السفراء، ويحملونهم بالهدايا النفيسة، الأمر الذي ضاعف نفقات العمل الدبلوماسي كثيراً. ومن السمات للدبلوماسية البيزنطية استخدام سفاراتها إلى الدول الأجنبية لأغراض التجسس وتدبير المكائد، والتأثير على الوضع الداخلي في الدول الموفدة إليها. وهو الأمر الذي أدى للخلط بين العمل الدبلوماسي والتجسس.
العلاقات الدبلوماسية الدولية عند العرب، قبل وبعد ظهور الإسلام وفي عهد الخلافة الإسلامية: عرف العرب العلاقات الدبلوماسية الدولية قبل الإسلام، بفضل الموقع الإستراتيجي الهام الذي تمتعت به منطقة شبه جزيرة العرب، كملتقى لطرق القوافل التجارية البرية المتنقلة بين المحيطات عبر بحار الشمال والجنوب والشرق والغرب، وهو الوضع الذي ساعد على قيام علاقات تجارية قوية بين العرب وجيرانهم في شرق وشمال إفريقيا عبر البحر الأحمر، وبحر العرب، وروما عبر بلاد الشام، والبحر الأبيض المتوسط، وفارس عبر الخليج والعراق، والهند عبر بحر العرب والمحيط الهندي. وهذا بدوره فرض على العرب واقع لابد معه من قيام علاقات دولية، ثنائية، وجماعية، وتبادل للسفراء والمبعوثين الدبلوماسيين بين القبائل العربية فيما بينها، وبينها وبين دول ذلك العصر، وأهمها كانت الإمبراطوريات: الفارسية، والرومانية، والحبشية.
وتشير المراجع التاريخية إلى قدوم سفراء كسرى الفرس، وإمبراطور الروم، وملك الحبشة إلى الجزيرة العربية، للتهنئة والمفاوضات وعقد الاتفاقيات. وتشير إلى سفارة عبد المطلب بن هاشم إلى أبرهة ملك الحبشة لرد الإبل التي استولى عليها الجنود الأحباش أثناء غزوهم لشبه الجزيرة العربية.
وتبدلت الحالة بعد ظهور الدين الإسلامي، وأصبح الهدف الأساسي من العلاقات الدولية، تحسين العلاقات مع الجوار، والدعوة للدين الإسلامي الجديد ونشره خارج شبه جزيرة العرب بعد أن استقر فيها. واستهل النبي العربي محمد (ص) علاقاته الخارجية بإرسال المبعوثين من الصحابة (رض) يحملون الرسائل إلى القبائل العربية المتناثرة داخل وحول شبه جزيرة العرب، يحثهم فيها على الدخول في الدين الإسلامي، ويعرفهم من خلالها على مبادئه السامية. وأرسل سفراءه يحملون الرسائل لإمبراطور الروم، وكسرى الفرس، وحكام مصر والحبشة لنفس الغرض. ودعى لعقد المؤتمرات لشرح المبادئ الإسلامية. ورسخ مبدأ الحصانة الدبلوماسية للسفراء، عندما قال (ص): "والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما".
ومع انتشار الدين الإسلامي وقيام الدولة الإسلامية واتساع رقعتها، أخذ النبي العربي (ص) بمبادئ: عقد المعاهدات؛ وإعلان الحرب دفاعاً عن الإسلام؛ وإنذار العدو وإعطائه مهلة كافية للرد؛ وتنظيم الهدنة في الحرب؛ وتبادل الأسرى؛ وإقرار السلم. وهو الأسلوب الذي تابعه من بعده الخلفاء الراشدون (رض). وعند قيام الدولة الأموية، انتقلت الخلافة الإسلامية من مكة المكرمة في الحجاز، إلى دمشق في بلاد الشام، واستمرت السفارات الإسلامية من حيث طبيعة عملها في عهد الرسول (ص) والخلفاء الراشدين (رض) من بعده.
ورافق اتساع الفتوحات الإسلامية توسع مهام الدبلوماسية الإسلامية، وأصبحت نشاطات الدبلوماسية عنصراً مساعداً في الحرب وعقد الهدنة، وفي تنظيم العلاقة المتوترة بين الخلافة الأموية والإمبراطورية البيزنطية في أواخر القرن السابع الميلادي، عندما تكررت المعارك والصدامات على الحدود بين الدولتين العظميين في ذلك الوقت. فكانت مهمة السفراء: عقد الهدنة والصلح؛ وتحقيق الاستقرار على الحدود الخارجية؛ وإبرام المعاهدات؛ التي توفر للخلافة الأموية الوقت اللازم، للتفرغ لتصفية الصراعات الداخلية التي كانت تعصف بالدولة الإسلامية آنذاك. ومن السفارات البارزة في عهد الأمويين، كانت إرسال الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك سفارته برئاسة قتيبة بن مسلم إلى الصين عام 96 للهجرة، يدعوها إلى الإسلام ويطالبها بدفع الجزية.
وفي عهد الخلافة العباسية، انتقلت العاصمة من دمشق في بلاد الشام، إلى بغداد في العراق، استقرت الدولة الإسلامية وازدهرت، واتسعت حدودها، فكان لابد من التوسع في العلاقات الدولية وتوسيع إطار النشاطات الدبلوماسية، لتلبي متطلبات تقوية العلاقات السياسية والتجارية والثقافية مع الدول المجاورة الدانية والقاصية. لأن الحرب لم تعد وحدها لغة التفاهم الوحيدة مع دول الجوار، بعد أن توقفت سياسة الفتوحات الإسلامية التي استمرت منذ عهد الخلفاء الراشدين، واستمرت في عهد الخلفاء الأمويين. فكان أول ما اهتم به الخلفاء العباسيون هو توسيع علاقاتهم الدولية، عن طريق إرسال السفراء، الذين أرسلوا إلى العاصمة البيزنطية القسطنطينية، وروما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وإلى مملكة البلغار، وإلى دولة الفرنجة في غرب أوروبا، وإلى الهند، والصين.
وعقد الخلفاء العباسيون هارون الرشيد، والمأمون، والمعتصم، معاهدات صلح مع الإمبراطورية البيزنطية، وتبادلوا الأسرى معها. واستحدثوا دبلوماسية التبادل الثقافي مع البيزنطيين، لدعم الصلات الثقافية وتبادل البعثات العلمية، وتسهيل مهمة الباحثين العلميين في مدارس البلدين بما يشبه مهمة المستشارين والملحقين الثقافيين في السفارات المعاصرة. وقويت العلاقة بين الخليفة العباسي هارون الرشيد، وشارلمان ملك الفرنجة (فرنسا اليوم)، وتبادلا السفارات بينهما عام 801م، من أجل تقوية العلاقات والصداقة بين الدولتين. وعاد شارلمان وأرسل سفارة ثانية إلى هارون الرشيد عام 802م، قابلها هارون الرشيد بسفارة ثانية عام 807م، اقترح فيها إقامة تحالف بينهما يضمن: جانب الفرنجة ضد بيزنطة، من ناحية أولى؛ ويضمن جانب العباسيين ضد الدولة الإسلامية الأموية التي أسسها عبد الرحمن الداخل في الأندلس لمنافسة الدولة العباسية التي اتخذت من بغداد عاصمة لها، من ناحية ثانية.
وهو ما يسمى في عالم العلاقات الدولية اليوم بسياسة التوازن الدولي وحماية المصالح المشتركة وسط القوى السياسية القائمة. ومن ضمن سياسة التوازنات الدولية تلك شهدت العلاقات الدولية في ذلك العصر اتجاه الدولة الإسلامية العباسية في بغداد نحو دولة الفرنجة في بلاد الغال (فرنسا اليوم)، للتحالف معها ضد الدولة الإسلامية الأموية في قرطبة عاصمة الأندلس. بينما استمرت الإمبراطورية البيزنطية في تقاربها مع العباسيين في بغداد للتحالف معهم ضد دولة الفرنجة.
وبعد تفكك الدولة الإسلامية إلى ممالك، ودويلات، وإمارات، في أواخر الحكم العباسي. تحولت العلاقات الدولية والدبلوماسية إلى دور جديد، مهمته تطبيع العلاقات الثنائية وتوثيقها بين الخلافة العباسية في بغداد، وتلك الممالك والدويلات والإمارات الإسلامية، إضافة للعلاقات الدبلوماسية مع الدول غير الإسلامية الأخرى.
كما وأرسلت الإمبراطورية البيزنطية خلال تلك الفترة التاريخية سفارات إلى مصر في عهد الأسرتين الطولونية والإخشيدية، تؤكد لهم من خلالها صداقتها لهم وتطالبهم برد أسراها. وسفارات مماثلة إلى سيف الدولة الحمداني في حلب (سورية). وسفارة إلى العزيز بالله الفاطمي تطلب من خلالها السماح لها بإصلاح كنيسة القيامة في القدس عام 418 للهجرة.
وخلال الحروب الصليبية كان دور العلاقات الدبلوماسية منحصر في إجراء المفاوضات وعقد الهدنة بين جيوش المسلمين والصليبيين. ومن أشهر تلك العلاقات، مفاوضات الهدنة بين الملك العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي قائد الجيوش الإسلامية، وريتشارد قلب الأسد قائد الجيوش الصليبية، أثناء حصار مدينة عكا في فلسطين عام 1189م، والتي أسفرت عن هدنة استمرت زهاء ثلاث سنوات وثلاثة أشهر بين الأطراف المتحاربة. واتفاق الهدنة بين المسلمين والصليبيين بعد حصار مدينة دمياط في مصر عام 1218م، ومعاهدة يافا في فلسطين للهدنة بين سلطان مصر الملك العادل وفردريك الثاني قائد الجيوش الصليبية التي استمرت لمدة عشر سنوات.
وفي إطار العلاقات الدولية السائدة في تلك الأيام كان تحالف المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، مع الإمبراطورية البيزنطية المسيحية (الأرثوذكسية) الشرقية ضد الصليبيين المسيحيين (الكاثوليك) عام 1185م، بينما حاول التحالف المسيحي (الكاثوليكي) الغربي التحالف مع المغول ضد المسلمين، وأرسلوا إليهم من أجل ذلك بالسفراء يحثوا المغول على مهاجمة المسلمين، فسير المغول حملة كبيرة بقيادة جينغيز خان، وقيادة هولاكو من بعده دمرت بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 1258م، واستمرت حتى تصدت لها الجيوش الإسلامية في منطقة الجليل (فلسطين) عام 1260م، ليثمر انتصار المسلمين على المغول، بفشل التحالف المسيحي (الكاثوليكي) الغربي المغولي. كما وتحمل صفحات التاريخ أنباء تحالف الأمير تيمور المسلم، مع الإمبراطور المسيحي (الأرثوذكسي) البيزنطي مانويل، ضد العثمانيين المسلمين الذين كانوا يهددون العاصمة البيزنطية القسطنطينية في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي.
وعلى ضوء ذلك لم تستمر الحالة بين ملوك أوروبا الغربية والعالم الإسلامي عل تلك الحالة، وسرعان ما تبادلت الدول الأوروبية السفارات مع الدول الإسلامية. وبعثت البندقية، وجنوا، وفلورنسا وغيرها من الدول الغربية بسفرائها إلى العواصم الإسلامية آنذاك، في حلب (سورية) في القرن الثالث عشر الميلادي، وإلى مصر، وإلى بلاط الأمير تيمور في سمرقند (أوزبكستان اليوم) خلال القرن الخامس عشر الميلادي. كما وأقامت فلورنسا تمثيلاً دبلوماسياً دائماً لأول مرة في الإسكندرية (مصر) فكانت تلك العلاقات أساساً لقيام البعثات التمثيلية الدائمة بين العالمين الغربي والإسلامي. إضافة للسفارات التي تبودلت بين الدول الإسلامية في شمال إفريقيا، وشرق البحر الأبيض المتوسط، وآسيا الصغرى، وآسيا الوسطى، والهند، والصين.
كما ويذكر تاريخ العلاقات الدولية العربية والإسلامية الكثير من القواعد والمبادئ التي تتضمن صفات السفراء وشروط اختيارهم، وقواعد المراسم والاستقبالات، والحصانة الدبلوماسية. إذ كان الخلفاء والملوك والأمراء المسلمون، يختارون في سفرائهم إلى الدول المجاورة والبعيدة من كان كريم المنبت، عريق المحتد، ذا فصاحة وحسن خلق، وذا صبر وحكمة وسعة حيلة.
ومع اتساع العلاقات الدولية للمسلمين مع الدول المجاورة لهم خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، ظهر مبدأ التخصص في السفارة، فكان يبعث مثلاً بأحد رجال الجيش للتفاوض على عقد هدنة. أو ترسل سفارة تضم أكثر من شخص واحد "أحدهما صاحب سيف، والآخر من أهل الشريعة، وقد تعزز بثالث من الكتاب. فصاحب الشريعة يقرر ما يسوغ منها وما لا يسوغ، وصاحب السيف يرتب مالا مضرة فيه على الملك ولا جنده ولا حيف ولا مخاطرة، والكاتب يحفظ قوانين السياسة ورسوم المكاتبات وأدب المخاطبات".
ولعل أبرز قواعد العمل الدبلوماسي العربي والإسلامي ما نقل عن معاوية بن أبي سفيان أول خلفاء بني أمية في دمشق، وأحد أدهى الحكام العرب المسلمين في عصره، قوله: "لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا أرخوها شددتها، وإذا شدوها أرخيتها"، وقد أعتبر هذا الأسلوب ذروة في الحنكة والمرونة في السياسة والحكم والعلاقات الدبلوماسية.
وكان من قواعد المراسم والاستقبالات في العالم الإسلامي، أن يزود السفراء الموفدين بخطابات اعتماد من قبل الخليفة، أو الملك، أو الأمير، يحررها ديوان متخصص، هو ديوان الرسائل باللغة العربية، أو الفارسية، أو التركية، وأحياناً يصحب السفير مترجم يجيد لغة أهل البلد المرسل إليه.
أما بالنسبة للسفراء الوافدين، فقد كانوا يستقبلون بالحفاوة والتكريم اللائق بمرتبتهم. وفي بعض الأحيان كان يرسل وفد إلى حدود الدولة لاستقبال السفير وحاشيته، ومرافقته إلى العاصمة حيث ينزل في قصر الضيافة لفترة معينة، يحظى بعدها بمقابلة الخليفة أو السلطان أو الملك أو الأمير. وهو تقليد لا يختلف كثيراً عما هو متبع حالياً. وأرسى المسلمون قواعد "الأمان" للسفراء والمبعوثين، وشملت حصانة السفير وحاشيته ومتاعه، تمكيناً له من إنجاز مهمته التي أرسل من أجلها. وهي مرادفة للحصانة الدبلوماسية المتبعة في الوقت الراهن.
كما وتضمن تاريخ العلاقات الدولية العربية والإسلامية الكثير من القواعد التي لم تزل متبعة حتى اليوم، كوثائق التفويض، وأسلوب توقيع السفير بالأحرف الأولى على الاتفاقية، لتتم الموافقة النهائية عليها وإبرام الاتفاقية من قبل صاحب الشأن.
العلاقات الدولية التقليدية: تشكلت العلاقات الدولية وأجهزة النشاطات الدبلوماسية بشكلها التقليدي المعروف اليوم، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. عندما أنشئت أول بعثة دبلوماسية دائمة في جنوا (إيطاليا) عام 1450، بتشجيع من دوق ميلانو فرانشيسكو سفورزا. وخلال عقدين من ذلك التاريخ حذت باقي الدول الأوروبية حذو ميلانو وأنشأت بعثات دبلوماسية تمثلها في الخارج. ولم يكن السفراء دائماً من بين مواطني الدول التي يمثلونها، فقد كانت الدولة تختارهم من بين مواطني الدول الأخرى. وكانت النظرة من السفراء في تلك الحقبة التاريخية، نظرة شك وريبة وحذر، حتى أن البعض كانوا يعتبرونهم جواسيس أجانب. وكان السفراء حسبما جرت العادة يزودون بنوعين من التعليمات: تعليمات علنية الغرض منها توثيق العلاقات التجارية؛ وتعليمات سرية تتعلق بمصادر المعلومات، وعقد الصفقات السياسية، ورعاية مصالح البلد الموفد. وكان من أهم واجبات السفير التعرف على أحوال البلد الموفد إليه، والحصول على المعلومات، وإبلاغها بسرعة للدولة التي يمثلها. خاصة وأن الصحافة لم تكن معروفة بعد في أوروبا آنذاك، لهذا كان على السفير أن يلازم حكام البلاد المعتمدون فيها لمعرفة ما يدور سراً في قصور الحكم. وفي تلك الحقبة التاريخية وضع نيكولا ميكيافيلي في كتابه "الأمير" الذي صدر عام 1513م، نظريته الشهيرة، والتي تقول بأن الغاية تبرر الوسيلة، أي أن من حق الحاكم اللجوء عند الضرورة للكذب والخديعة والغدر، من أجل فرض سيطرته وتثبيت دعائم حكمه، وأن لا دخل للأخلاق في ذلك. وسرعان ما انتشرت الميكيافيلية في ردهات العمل الدبلوماسي، وانتشر أسلوب سرقة الوثائق السرية، والرشوة للحصول على المعلومات، والعمل في جو من السرية والخفاء.
وتأثرت النشاطات الدبلوماسية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بالأسلوب الفرنسي، الذي ترافق مع ظهور أولى قواعد القانون الدولي، التي نادى بها الدبلوماسي السويدي غروسيوس، الهولندي الأصل، والذي لجأ إلى فرنسا عام 1620م قبل أن يعين سفيراً للسويد في باريس، ضمن كتابه "قانون الحرب والسلام" عام 1625م، وتتلخص أفكار غروسيوس بأنه يجب يكون هناك قانون طبيعي ينبع من عقل وضمير الإنسانية، ويكون فوق الملوك والحكومات، وطالب بإنشاء جهاز خاص يسهر على تطبيق ذلك القانون على جميع الأطراف.
ويعود الفضل في تأسيس أول وزارة للشؤون الخارجية في العالم عام 1626م، لأبرز الشخصيات السياسية المعروفة في ذلك العصر الكاردينال الفرنسي رشيليو، الوزير لدى بلاط ملك فرنسا لويس الثالث عشر. كما ويرجع الفضل لريشيليو في تثبيت مبدأ مصلحة الدول فوق أية اعتبارات أخرى. وهو أيضاً الذي مارس مبدأ المفاوضات واحترام الاتفاقيات والالتزام ببنودها، وحاول توعية الرأي العام بسياسته عن طريق إصدار النشرات للتعريف بأهداف السياسة الخارجية للدولة. وتذكر المراجع أنه كان لفرنسا مع نهاية القرن السابع عشر أكثر من عشر سفارات دائمة في العواصم الأوروبية.
وفي القرن الثامن عشر كانت فرنسا مهد أهم مراجع النشاطات الدبلوماسية في ذلك العصر، عندما صدر كتاب دي كاليير أحد كبار الدبلوماسيين الفرنسيين آنذاك "أسلوب المفاوضة مع الملوك"، الذي أعتبر أساس العمل الدبلوماسي الثقة وليس الخديعة، وهو عكس ما دعى إليه مكيافيللي الإيطالي. وذكر في كتابه أنه على المفاوض الناجح أن يتحلى: بالوضوح؛ والأمانة؛ وقوة الملاحظة؛ ودقة الحكم على الأشياء؛ والقدرة على الإنصات؛ والدهاء؛ وحسن التصرف؛ والمجاملة؛ وطيب المعاشرة.
وإلى جانب ما نادى به كاليير في ذلك العصر، ظهرت الازدواجية في نشاطات الأجهزة الدبلوماسية، التي كانت تفرق بين التعليمات الرسمية، والتوجيهات غير الرسمية. وظلت الدبلوماسية الفرنسية نموذجاً لنشاطات الأجهزة الدبلوماسية. وظلت اللغة الفرنسية لغة الأجهزة الدبلوماسية خلال القرن الثامن عشر. واتسمت التعليمات التي زود بها السفراء الفرنسيون آنذاك بالشمول والإحاطة بكل نواحي الحياة السياسية في البلد الذي يعملون داخله، وتضمنت تفصيلات تتعلق بالمراسم والأقدمية وغيرها من الشؤون الدبلوماسية التي لم تزل مستخدمة حتى اليوم. وكان السفير يزود بخطاب تقديم من وزير الخارجية إلى بعض الشخصيات الرسمية الهامة في البلد الذي سيعتمد فيه. وتميزت تقارير السفراء الفرنسيين إلى حكوماتهم بالإفاضة، والدراية بمجريات الأمور السياسية والاقتصادية في البلد الذي يعملون فيه.
بينما لم تهتم بريطانيا بالعمل الدبلوماسي إلا في عام 1708م، عندما أصدرت الملكة آن قانوناً لحماية المبعوثين الدبلوماسيين من الإجراءات القضائية، بعد الحادثة الشهيرة للسفير الروسي الذي أوقف بقرار من القضاء، لعدم سداد دين ترتب عليه، مما أدى إلى سحب السفير من قبل القيصر الروسي بطرس الأكبر، دون أن يقدم أوراق اعتماده.
وخلال القرن التاسع عشر، استمرت اللغة الفرنسية كلغة للمراسلات الدبلوماسية، وتميزت المرحلة بسيطرة الدول الأوروبية على مصير شعوب العالم آنذاك. فكانت بعض الدول الأوروبية الكبرى، بفضل إمكانياتها الاقتصادية والعسكرية، تسيطر على مقدرات مستعمراتها المنتشرة في أنحاء العالم وتتحكم بمصائر شعوبها، وتهيمن على الدول الصغرى انطلاقا من مصالحها الخاصة. بحجة المحافظة على السلام الدولي، وعن طريق إقامة توازن للمصالح بين الدول الأوروبية الكبرى. وهو ما أدى بدوره إلى ظهور نظرية التحالف، وقيام "الحلف الأوروبي" بين الدول الأوروبية الكبرى من أجل معالجة القضايا العالقة بينها، وفرض ما تقرره على شعوب المستعمرات والدول الصغرى بوسائل الضغط المختلفة المعروفة في العلاقات الدولية المعاصرة.
العلاقات الدولية المعاصرة: تأثرت نشاطات الأجهزة الدبلوماسية والعلاقات الدولية المعاصرة بثلاثة عوامل، هي: العامل الأول: التقدم الهائل في وسائل الاتصال الحديثة (المبرقة السلكية، والهاتف السلكي، والمبرقة اللاسلكية، والهاتف اللاسلكي، والتلكس، والتيلي فاكس، والاتصال عن طريق الأقمار الصناعية، وشبكات الكمبيوتر العالمية)، التي وفرت للمبعوثين الدبلوماسيين فرصة الاتصال بحكوماتهم وإرسال المعلومات والتقارير، واستلام الردود والتعليمات، أولاً بأول خلال دقائق وفور وقوع الأحداث بدلاً من أشهر وأسابيع كما كان في السابق.
العامل الثاني: التقدم الهائل في وسائل النقل الحديثة براً وبحراً وجواً، الأمر الذي سمح بانتقال الدبلوماسيين جواً عبر العالم خلال ساعات بدلاً من شهور كما كان في السابق. مما سهل عملية التشاور بين الدبلوماسيين وحكوماتهم بسرعة كبيرة.
العامل الثالث: استقلال معظم المستعمرات السابقة وظهور أنواع من الديمقراطيات المتباينة، وتقلص الحكم المطلق، ومشاركة ممثلي الشعب في السلطة من خلال البرلمان، والحكم من خلال المشاركة في اتخاذ القرارات الهامة. وخروج نشاطات الأجهزة الدبلوماسية من دائرية السرية والكتمان المطلق، إلى الدبلوماسية العلنية تحت ضغط الرأي العام، ووسائل الإعلام الجماهيرية (الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية). ونتيجة مباشرة لنتائج الحرب العالمية الأولى، وقيام عصبة الأمم عام 1920م، التي جاء في بيان تأسيسها: "رغبتنا وإرادتنا في أن تكون إجراءات السلام .. علنية، ولا نسمح بأي تفاهم سري من أي نوع، وقد انتهى عهد الفتح والتوسع وعقد الاتفاقيات السرية".
وأدى إعلان الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون لمبادئه الأربعة عشرة إلى بروز وامتداد دور الولايات المتحدة الأمريكية كمدافعة عن الحرية والديمقراطية وزعيمة للعالم الغربي بعد زوال النظام الاستعماري التقليدي، وأثناء الحرب الباردة بين الشرق والغرب قبل انهيار المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي السابق، وكزعيمة مهيمنة وحيدة للعالم بعد انهياره.
وبعد فشل عصبة الأمم المتحدة في منع نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939م، شعرت دول العالم بخطورة المصير الذي يتهدد البشرية نتيجة لتطور صناعة الأسلحة الفتاكة، وأسلحة الدمار الشامل، والعجز عن حل المنازعات عن طريق التفاوض بالطرق الدبلوماسية المعتادة، فشاركت خمسين دولة بعد انتهاء الحرب في مؤتمر سان فرانسيسكو (الولايات المتحدة الأمريكية)، ووقعت جميعها في 26/6/1945م ميثاق يعلن قيام منظمة الأمم المتحدة، وجاء في الميثاق الذي أصبح نافذاً اعتبارا من 24/10/1945م، المبادئ التالية: إتباع الدبلوماسية العلنية؛ القضاء على المعاهدات السرية؛ حق الشعوب بتقرير مصيرها؛ تحسين العلاقات بين الدول، عن طريق إذكاء روح التسامح وإنماء فكرة التفاهم؛ المساواة في السيادة بين الدول من الناحية القانونية. ومن أبسط حقوق السيادة إيفاد المبعوثين الدبلوماسيين، وقبولهم، بناءً على الرغبة المشتركة وقبول الجانب الآخر.
وأدى ظهور الرأي العام المحلي والعالمي إلى انتشار الفكر الديمقراطي، الذي أصبح بدوره قوة مؤثرة على اتخاذ القرار السياسي في مختلف دول العالم. ومما ساعد على ذلك تعاظم دور وسائل الإعلام الجماهيرية المحلية والدولية في عصر العولمة، وإسهامه في تشكيل الرأي العام العالمي، وخلق نوع من الحوار بين الثقافات والحضارات الإنسانية، ذلك الحوار الذي يمكن أن يأخذ بدور يؤثر مباشرة على العمل الدبلوماسي وإدراك الدبلوماسيين لما يدور من أحداث في مختلف أنحاء العالم. ولم يعد التأثير الدبلوماسي على مجريات الأحداث في عصر العولمة كما كان في السابق، لأن الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية وسرعتها الهائلة في نقل الخبر (بالحرف والصوت والصورة والحركة) عبر وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة، أخذت تنافس الدبلوماسيين في عملهم، وفي تحليل الأنباء وتسليط الأضواء عليها. وكثيراً ما يأخذ الدبلوماسيون بالأنباء والتحليلات الصحفية كمصدر للمعلومات التي تتضمنها التقارير الدبلوماسية التي تتصف أكثر من المادة الصحفية بالاتزان والدقة والموضوعية. رغم حالات تحريف وإغفال المعلومات عمداً. إضافة لاستخدام المعلومات كسلاح فتاك جديد، وأداة من أدوات العمل الدبلوماسي المعاصر.
وأدى انهيار الإمبراطوريات التقليدية بعد الحرب العالمية الثانية إلى دخول عناصر جديدة في العمل الدبلوماسي أخذت أربعة اتجاهات رئيسية، هي:
الاتجاه الأول: بروز المجموعة الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي السابق، والصين الشعبية، العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي في منظمة الأمم المتحدة، كقوة عالمية مؤثرة تتسم بالمركزية والسيطرة الداخلية المطلقة، وحكم الحزب الواحد (الحزب الشيوعي)، والهيمنة على الدول الأصغر التي تدور في فلكها داخل المجموعة الشيوعية، وخارجها. مما أدى إلى ظهور كوادر دبلوماسية مؤمنة بالفكر الشيوعي، لها أسلوبها في التعامل الدبلوماسي مع الدول الأخرى، وظهور شخصيات دبلوماسية عالمية مؤثرة مؤمنة بهذا الاتجاه كأندريه غروميكو (مواليد 1909م)، وزير الخارجية السوفييتي السابق، والذي سبق وقدم أوراق اعتماده كسفير لبلاده في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1943م، ومن ثم أصبح وزيراً للخارجية من عام 1957م وعضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1973م، حتى أوائل التسعينات من القرن العشرين. عاصر خلالها أكثر من تسعة من وزراء خارجية في الولايات المتحدة الأمريكية.
الاتجاه الثاني: زيادة عدد الدول التي انضمت إلى عضوية الأمم المتحدة (المستعمرات السابقة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية) إثر استقلالها خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين. مما أدى إلى ارتفاع عدد الدول الأعضاء في المنظمة الدولية من 50 دولة عام 1945م، إلى 159 خلال ثمانينات القرن العشرين. وبعد انهيار المنظومة الشيوعية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي السابق واستقلال العديد من دول المنظومة وانفصال واستقلال العديد من الدول الحديثة الاستقلال خلال العقد التاسع من القرن العشرين ارتفع عدد الدول الأعضاء في المنظمة الدولية لما يقارب المأتي دولة.
وواجهت الدول حديثة الاستقلال نقصاً فاضحاً في كوادرها الدبلوماسية، لأن الدول المستعمرة كانت قد أرست قواعدها للعمل الدبلوماسي في تلك الدول، كأداة لتثبيت سيطرتها عليها حتى بعد الاستقلال. فكان على تلك الدول أن تبني سياستها الخارجية المستقلة، وأن تثبت سيادتها الوطنية المبنية على مصالحها القومية، وأن تسعى للتخلص من السيطرة والتبعية للدول الكبرى. فأخذت بالتشكل مدرسة دبلوماسية جديدة لها تقاليدها ومراسمها الخاصة، بعيدة عن التقاليد المتبعة في الدول الكبرى.
وبرزت كوادر دبلوماسية مؤهلة في الدول النامية كان لها دوراً بارزاً في العلاقات الدولية، وفي المنظمات الإقليمية والمتخصصة والدولية، من بينها الدبلوماسي البورمي أوثانت، والدبلوماسي الأمريكي اللاتيني بيريز دي كويلار، والدبلوماسي العربي المصري بطرس غالي الذين تولوا منصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة خلال فترات مختلفة حتى تولى الأمين العام الحالي الدبلوماسي الإفريقي كوفي عنان منصبه الرفيع من سلفه العربي بطرس غالي.
ومن بين الدبلوماسيين البارزين في دول العالم الثالث الدكتور محمد فوزي الذي شغل مناصب دبلوماسية هامة منها سفير مصر في الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وبريطانيا، وفلسطين، ومندوب مصر في منظمة الأمم المتحدة، ووزير الخارجية عام 1952م، ورئيس الوزراء عام 1970م، ونائب رئيس الجمهورية عام 1972م. وعبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية الجزائري الأسبق، الذي انتخب فيما بعد رئيساً للجمهورية الجزائرية. والأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية منذ عام 1975 وحتى الآن.
الاتجاه الثالث: التخصص في العمل الدبلوماسي. حيث برزت الحاجة له مع اتساع دائرة العمل الدبلوماسي وتشعبها في إطار العلاقات الدولية المعاصرة، والتي أصبحت تتطلب من الدبلوماسي الإلمام ليس بالشؤون السياسية وحسب، بل وفي الشؤون الاقتصادية والثقافية والعسكرية وغيرها. وأصبح التعامل الاقتصادي والإعلامي يشكلان عنصران هامان في العلاقات الدولية. وأدى هذا الاتساع إلى ضرورة استعانة السفير بمجموعة من الخبراء تتفق وحاجة العمل الدبلوماسي للدولة التي يمثلها، تتفق وحجم العلاقات بين الدولتين. فبدأت بالظهور داخل البعثة الدبلوماسية وظائف جديدة منها المستشارون أو الملحقون: التجاريون؛ والعسكريون؛ والثقافيون؛ والصحفيون؛ والعماليون؛ والسياحيون .. وغيرهم.
الاتجاه الرابع: تشعب العمل الدبلوماسي مع ظهور أشكال جديدة من نشاطات الأجهزة الدبلوماسية، منها دبلوماسية المؤتمرات والمنظمات الإقليمية والدولية، كمنظمة الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها المتخصصة. وظهور الدبلوماسية الشعبية التي يدخل في إطارها العمل الدبلوماسي غير الرسمي من خلال تبادل الوفود الثقافية والعلمية والسياحية والرياضية والشبابية والنسائية والعمالية وغيرها، والعلاقات الثنائية والجماعية بين المنظمات والهيئات الشعبية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية المتشابهة.
الأجهزة القيادية والإدارية للعلاقات الدولية الآسيوية الإفريقية: رئيس الدولة هو قمة الهيكل القيادي لأجهزة العلاقات الدولية في الدول الآسيوية والإفريقية. ويشرف رئيس الدولة (الملك، أو السلطان، أو الأمير في الأنظمة الملكية، أو رئيس الدولة أو الجمهورية أو الحكومة في الأنظمة الجمهورية) عادة على: المباحثات والعلاقات الدولية لدولته؛ ويعين وزير الخارجية ضمن التشكيل الوزاري الدستوري؛ ويعين السفراء الذين يمثلون بلاده في الخارج؛ ويعتمد سفراء الدول الأجنبية في بلاده؛ ويحضر مؤتمرات القمة؛ ويحدد السياسة الخارجية لبلاده مستعيناً بالأجهزة المختصة بذلك (البرلمان، وزارة الخارجية، الحزب الحاكم، جهاز الأمن القومي).
وقد توزعت تلك المسؤوليات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة في بعض الأنظمة الملكية الدستورية، أو الأنظمة الرئاسية الأخرى، حيث يقوم رئيس الحكومة بالإشراف على السياسة الخارجية للدولة باعتباره زعيم حزب الأغلبية الحاكمة كما هي الحال في الهند وإسرائيل وغيرها من الدول.
ويباشر رئيس الدولة العلاقات الدولية لبلاده كونه قمة الأجهزة الدبلوماسية، لأن الدبلوماسية أساساً هي الاتصالات الرسمية بين الحكومات، وتتم عادة إما مباشرة بين رؤساء الدول والحكومات، أو عن طريق المبعوثين الخاصين والسفراء. وكثيراً ما تدعوا الحاجة إلى أن يتولى رئيس الدولة الاتصالات الدولية بنفسه كما هي الحال في العلاقات الثنائية والجماعية للدول الكبرى، وفي العلاقات بين الدول الحليفة أو الدول المجاورة، أو المشاركة معها في منظمة إقليمية. ودبلوماسية القمة ليست جديدة في العلاقات الدولية، فقد مارسها القادة والملوك في السابق لبحث مصالحهم واتخاذ القرارات بشأنها. وعادت للظهور مرة أخرى خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها عندما التقى قادة الدول الحليفة لبحث سير العمليات العسكرية، والأوضاع المترتبة عن الحرب بعد انتهائها.
وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت أيضاً مؤتمرات القمة الدورية لمنظمات دولية وإقليمية، كمؤتمرات قمة الملوك والرؤساء العرب، وقمة رؤساء دول عدم الانحياز، وقمة رؤساء دول منظمة الوحدة الإفريقية، وقمة رؤساء الدول المشاركة بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقمة رؤساء رابطة دول غرب إفريقيا وغيرها من المنظمات. ومن مزايا لقاءات القمة السرعة والحسم في اتخاذ القرارات الهامة. والعادة أن يتم عقد لقاءات القمة بعد إعدادات وجهود مضنية يقوم بها وزراء الخارجية والسفراء المعتمدون تمهيداً لعقد القمة المنتظرة بين رؤساء الدول.
ويعتبر وزير الخارجية المعاون الأول ومستشار رئيس الدولة للعلاقات الدولية، وهو في نفس الوقت صلة الوصل بين حكومته والعالم الخارجي، والسلك الدبلوماسي الأجنبي المعتمد في بلاده. ويشارك في رسم السياسة الخارجية للدولة ضمن صلاحياته، ويشرف على تنفيذها بحكم إدارته لوزارة الخارجية وبعثاتها في الخارج.
وفي بعض الدول يعين وزير للشؤون الخارجية لمعاونة وزير الخارجية في مهام عمله السياسية والإدارية. وفي بعض الدول الأخرى يكتفى بتعيين نائب لوزير الخارجية يكون عضواً في التشكيل الوزاري وتنتهي مهمته بانتهاء مهام الوزارة التي عينته. وفي بعض الدول يسند لوزير الخارجية مهمة نائب رئيس الوزراء لاعتبارات خاصة بتلك الدول. وفي بعض الدول يتم تعيين مستشاراً لرئيس الجمهورية في شؤون الأمن القومي تقليداً للنظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن بين الدول التي أخذت بمبدأ تعيين مستشار لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، جمهورية مصر العربية التي عينت ما بين عام 1972- 1974م، محمد حافظ إسماعيل مستشاراً لرئيس الجمهورية في الأمن القومي، من أجل إجراء الاتصالات الدولية غير المعلنة، تمهيداً للحرب التي خاضتها مصر وسوريا عام 1973م لتحرير أراضيهما التي كانت تحتلها إسرائيل منذ عام 1967م، ونجحت مصر بعد جهود سياسية مضنية في استرداد كامل أراضيها المحتلة في شبه جزيرة سيناء عن طريق التفاوض، وتكللت بانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها عام 1982م، بينما لم تزل المفاوضات السلمية متعثرة على الجانب السوري حتى الآن.
ومن الأجهزة الأخرى المشاركة في العلاقات الدولية وصياغة وتنفيذ السياسة الخارجية للدولة: أجهزة أمن الدولة؛ جميع وزارات الدولة كل ضمن اختصاصه، وخاصة الدفاع، والمالية، والتجارة والاقتصاد الخارجي، والصحة، والنقل؛ ووسائل الإعلام الجماهيرية المكتوبة والمسموعة والمرئية؛ والأحزاب السياسية والمنظمات والهيئات الاجتماعية المختلفة ضمن إطار الدبلوماسية الشعبية.
الأجهزة التنفيذية في مجال العلاقات الدولية: تشمل الأجهزة التنفيذية للعلاقات الدولية في الدول الآسيوية والإفريقية التالي: جهاز وزارة الخارجية وديوانها العام؛ والبعثات الدبلوماسية المقيمة في الخارج.
وتعتبر وزارة الخارجية في أية دولة من دول العالم الإدارة المختصة بالعلاقات الخارجية للدولة مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية والإقليمية والمتخصصة. ويدخل ضمن اختصاص وزارة الخارجية في معظم الدول الأسيوية والإفريقية ما يلي: الاشتراك في وضع سياسة الدولة الخارجية وتنفيذها؛ والإشراف على علاقات الدولة مع الدول الأجنبية، والمنظمات الدولية والإقليمية، والهيئات الأجنبية غير الحكومية، وذلك عن طريق: تمثيل الدولة لدى الحكومات والمنظمات الأجنبية. والبعثات الدبلوماسية والقنصلية، وفروع ومكاتب المنظمات الدولية والإقليمية والهيئات غير الحكومية المعتمدة لديها؛ وتنظيم تبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الدول الأجنبية؛ وتمثيل الدولة لدى المنظمات الدولية والإقليمية، والمؤتمرات الدولية والإقليمية؛ والتفاوض وعقد الاتفاقيات الدولية والثنائية بكافة أنواعها؛ والتعريف بالدولة في الخارج، وجمع التقارير الواردة من البعثات الدبلوماسية في الخارج، وتقدير المعلومات التي تتعلق بالتطورات التي تؤثر على سلامة وأمن الدولة، أو على علاقتها بالدول والمنظمات والهيئات الأجنبية؛ ورعاية مصالح الدولة بالخارج، ورعاية مصالح رعاياها إذا تطلب الأمر ذلك.
أجهزة وزارات الخارجية: أجهزة وزارات الخارجية متشابهة في معظم دول العالم. وتتضمن كل وزارة عدد من الإدارات السياسية والقنصلية والاقتصادية والفنية والإدارية والمالية وغيرها من الإدارات الجغرافية والمتخصصة، والفرق الوحيد بينها ينحصر في تقسيم وتجميع تلك الإدارات من حيث الاختصاص، إضافة لإنشاء إدارات تتفق والمصالح القومية العليا للدولة وسياستها الخارجية وحجم علاقاتها الدولية وتنوعها.
وتقسم الإدارات السياسية عادة حسب المناطق الجغرافية، وقد تتسع أو تضيق المنطقة الجغرافية حسب المصالح القومية للدولة. وتجمع بعض الدول في الإدارة الجغرافية الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، وكل ما يتصل بعلاقات الدولة الخارجية. والبعض الآخر يكتفي بالجانب السياسي الخارجي في إدارة العلاقات السياسية، وتترك الشؤون الأخرى لعدد من الإدارات المتخصصة مع إبقاء التعاون والتنسيق بينها. ومن أهم إدارات وزارة الخارجية: إدارة المنظمات الدولية؛ والإدارة القانونية، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية؛ والإدارة الاقتصادية؛ وإدارة العلاقات الثقافية؛ وإدارة المؤتمرات الدولية؛ وإدارة الصحافة والإعلام؛ وإدارة المراسم؛ وإدارة الشؤون القنصلية؛ وإدارة شؤون السلك الدبلوماسي والقنصلي؛ وإدارة الأبحاث والأمن والمعلومات؛ وإدارة الشؤون المالية والإدارية؛ وإدارة التخطيط السياسي؛ وإدارة الشؤون العلمية؛ وإدارة الهجرة؛ وإدارة المعهد الدبلوماسي؛ والديوان العام؛ وإدارة المكتبة.
وتبعث الدول بممثليها من السلك الدبلوماسي، ومبعوثيها في مهمات دبلوماسية لتحقيق هذا الهدف، ومن ضمن الوظائف التي نصت عليها المادة الثالثة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، وهي: تمثيل الدولة المعتمدة في الدولة المعتمد لديها؛ وحماية مصالح الدولة المعتمدة، ومصالح رعاياها في الدولة المعتمد لديها، ضمن حدود القانون الدولي؛ والتفاوض مع حكومة الدولة المعتمد لديها؛ واستطلاع الأحوال والتطورات في الدولة المعتمد لديها، بجميع الوسائل المشروعة. وتقديم التقارير اللازمة عنها إلى حكومة الدول المعتمدة؛ وتعزيز العلاقات الودية بين الدولة المعتمدة، والدولة المعتمد لديها، وتنمية علاقاتها الاقتصادية والثقافية.
وهو ما تقوم به وزارات الخارجية في الدول الآسيوية والإفريقية. ففي جمهورية مصر العربية مثلاً تقوم وزارة الخارجية التي تضم 12 إدارة سياسية جغرافية من بينها إدارات: شؤون فلسطين (إدارة قضية تتمتع بأهمية خاصة في السياسة الخارجية للدولة)؛ والجامعة العربية (إدارة العلاقة مع منظمة إقليمية تتمتع بأهمية خاصة في السياسة الخارجية للدولة)؛ والسودان (إدارة العلاقة مع دولة جارة تتمتع بأهمية إستراتيجية خاصة في السياسة الخارجية للدولة)؛ وإسرائيل (إدارة العلاقة مع دولة جارة تتمتع بأهمية إستراتيجية خاصة في السياسة الخارجية للدولة)؛ ورابطة الدول المستقلة (إدارة العلاقة مع مجموعة من الدول تتمتع بأهمية خاصة في السياسة الخارجية للدولة).
إضافة لسبعة إدارات فنية، منها: إدارة الشؤون الاقتصادية، وإدارة التعاون الدولي (اللتان تعملان بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد الجهة المشرفة على العلاقات التجارية الخارجية)؛ وإدارة العلاقات الثقافية والتعاون الفني التي تعتبر من أكبر الإدارات الفنية في وزارة الخارجية المصرية، بحكم مركز جمهورية مصر العربية في العالمين العربي والإسلامي، وفي القارة الإفريقية.
وتقدم جمهورية مصر العربية من خلال علاقاتها الثقافية الدولية الكثير من المنح الدراسية لطلاب من الدول الأجنبية للدراسة في الجامعات المصرية، وفي جامعة الأزهر الشريف. وتحرص على علاقاتها مع دول العالم عن طريق عقد اتفاقيات التعاون الاقتصادي والثقافي الثنائية، ووضع برامجها التنفيذية، وتقديم الخبرة المصرية في مجالات التعليم، والإعلام، والطب، والري، والزراعة وغيرها، لمن يطلبها، وخاصة للدول العربية، والإفريقية، ورابطة الدول المستقلة. وتقوم بتنظيم دورات تدريبية في مختلف المجالات الفنية والعلمية والزراعية. إضافة لإحداثها عدد من المراكز الثقافية في الدول الأجنبية ومنها مركز العلوم والتعليم المصري في طشقند الذي افتتح عام 1994م.
ويتبع وزارة الخارجية المصرية معهد الدراسات الدبلوماسية الذي أحدث عام 1966 لتدريب العاملين في مجال العلاقات الدولية بوزارة الخارجية. وينظم المعهد دورات تدريبية لمدة سنة دراسية للعاملين الجدد، ودورات خاصة للدبلوماسيين المعينين للعمل في الخارج وزوجاتهم. ودورات تدريبية للملحقين العسكريين والتجاريين والإعلاميين وغيرهم، من الموفدين للعمل في البعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج. كما وينظم المعهد دورات تدريبية خاصة للعاملين في مجال العلاقات الدولية من الدول العربية والأجنبية.
وجمهورية مصر العربية عضو في منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومجموعة دول عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. ولها علاقات واسعة مع العديد من المنظمات الإقليمية والدولية. وفي عاصمتها القاهرة العديد من المقرات الإقليمية للمنظمات والهيئات الدولية، ومقر جامعة الدول العربية.
العلاقات الدولية الآسيوية والإفريقية: أدت السياسة الاستعمارية التي أتبعتها الدول الأوروبية طيلة قرون من الزمن في مستعمراتها في أنحاء مختلفة من العالم، إلى خلق نتائج وآثار خلقتها في العلاقات الدولية الدول الاستعمارية نفسها. لأن الاستعمار لا يخرج في حقيقته عن كونه أحد مظاهر التسلط السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي والحضاري الذي تمارسه دولة ما على غيرها من الدول، وغالباً ما يكون الهدف من هذا التسلط، الاستغلال الاقتصادي للدولة الخاضعة للسيطرة الاستعمارية، وتسخير إمكانياتها الطبيعية ومواردها البشرية لرفع مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للدولة صاحبة النفوذ الاستعماري.
وقد حاولت الدول الاستعمارية دائماً أن تنكر وتخفي الدوافع الحقيقية لسياستها الاستعمارية المتمثلة في التوسع والاستغلال الاقتصادي، وحاولت دائماً أن تركز في دوافعها المعلنة على ما أسمته بدورها التاريخي، ورسالتها الحضارية في المجتمع الدولي، والتي نفذتها لأسباب إنسانية بحتة، وهو إدعاء بالطبع لا يقوم على أي أساس ولا يستند على أية حقيقة من حقائق التاريخ المعروفة. ذلك لأنه بالإضافة للدوافع السياسية والاقتصادية والثقافية للسياسة الاستعمارية، كانت هناك دوافع إستراتيجية بحتة دفعت بالدول الاستعمارية للسيطرة على المستعمرات لتأمين احتياجاتها من المواد الخام ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة لإمكانياتها الصناعية والعسكرية كالبترول، (الدول المنتجة للبترول في آسيا وإفريقيا مثلاً)، كما أن بعض تلك المستعمرات كانت تمثل حلقات إستراتيجية في طرق المواصلات العالمية، قناة السويس في مصر، وميناء جيبوتي، وميناء عدن في اليمن، وطريق رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، والعديد من الموانئ البحرية والجزر المنتشرة في محيطات العالم.
وقد كان الدافع الإستراتيجي في السياسة الاستعمارية البريطانية الحريصة على مصالحها الإمبراطورية سبباً لإنشائها بحرية ضخمة لحماية تجارتها وإمبراطوريتها في وجه التحديات من قبل الدول الاستعمارية المنافسة الأخرى. وقد أمكنها عن طريق تفوقها البحري أن تسيطر على عدد من القواعد البحرية الهامة مثل مضيق جبل طارق، وجزيرة مالطا، وجزيرة قبرص، وقناة السويس، وميناء عدن، وجزيرة سيلان، وسنغافورة، ورأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وبعض جزر البحر الكاريبي.
وهو الشيء نفسه الذي فعلته الولايات المتحدة الأمريكية عام 1947 عندما سيطرت على بعض الجزر التي كانت خاضعة للانتداب الياباني في غرب المحيط الهادئ وهي جزر: مارشال، وكارولينا، وماريانا، وكانت هذه السيطرة هي الوسيلة لدعم أمن جزر هاواي التي تعتبر ذات أهمية إستراتيجية خاصة في الدفاع عن غرب القارة الأمريكية. وفي بعض الأحوال قامت الدول الاستعمارية باحتلال وقائي، ضمت بموجبه أراض متاخمة لعدو يهدد مستعمراتها، لاتخاذها أداة لردعه عن تنفيذ أية سياسات معادية لمصالح الدولة التي قامت بالضم، ومن الأمثلة التاريخية لذلك توسع إنجلترا في الهند واحتلالها لبورما، إذ كان الهدف من وراء الاستيلاء على هذه القواعد الأرضية هو مجابهة التهديدات الروسية والفرنسية، وكذلك فعل الهولنديون باحتلالهم لجزر الهند الشرقية، وحدث ذلك أيضاً في بعض الحالات في إفريقيا وكان القصد منه دعم قدرة الدول الاستعمارية على المساومة في مواجهة بعضها بعضاً.
وإلى جانب ذلك استخدام القوة البشرية في المستعمرات لمساندة المجهود العسكري للدولة الاستعمارية ومن أمثلة ذلك استخدام القوات الهندية والمغاربة والسنغالية وغيرها في الحروب العالمية الماضية لتعويض النقص الفاضح في القوة البشرية لتلك الدول الاستعمارية.
ورغم التطور الهائل والانفراج الذي شهدته البشرية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، فإن النتائج والآثار الناتجة عن السياسة الاستعمارية ودوافعها، لم تزل مهيمنة وتؤثر في أجواء العلاقات الدولية المعاصرة، ومردها:
أن الاستعمار ارتبطت به ممارسة أبشع سياسات الاستنزاف والاستغلال الاقتصادي، إلى حد عرقل بشدة من قدرة الدول والمناطق التي خضعت للاستعمار الأوروبي على النمو الاقتصادي والاجتماعي، وقد أنتج ذلك أوضاعاً من التخلف لازالت تعاني منها تلك الدول الشيء الكثير حتى اليوم.
خاصة وأن الدول الاستعمارية عندما كانت تطبق سياسة الاستنزاف الاقتصادي على مستعمراتها، كانت في الوقت نفسه تحقيق عدة نتائج لصالحها، هي بمنتهى الخطورة بالنسبة للمستعمرات، منها: 1. أن الدول الاستعمارية استطاعت أن تتحكم بمعدلات التبادل الاقتصادي بينها وبين تلك الدول التابعة لها، بالصورة التي وفرت لها كل المزايا الاقتصادية والمادية دون أي اعتبار للأضرار الفادحة التي لحقت بالمستعمرات. 2. وأن الدول الاستعمارية تمكنت من احتكار أسواق الدول التابعة لها، وإغلاقها في وجه منافسة الوردات التي تأتي من الدول الأخرى. وقد دعم من هذه السيطرة الاحتكارية على أسواق المستعمرات. قيام الدول الاستعمارية بوضع قيود وتنظيمات نقدية على تلك المستعمرات بطريقة أجبرتها بها على التقيد بالشراء من داخل المناطق النقدية التي تهيمن عليها. وكان معنى ذلك أن الدول التابعة لم يكن يمكنها أن تستورد ما تحتاج إليه من السلع من المناطق النقدية الأخرى، حتى ولو كانت أرخص ثمناً، وذلك بسبب امتناع الدول الاستعمارية عن إعطائها النقد الأجنبي اللازم لتمويل وارداتها ومشترياتها من تلك المناطق. وفي نفس الوقت عملت الدول الاستعمارية على تنمية أرصدتها من العملات الصعبة التي تحصل عليها من صادرات مستعمراتها إلى الدول الأخرى. واستخدمت تلك الأرصدة في تدعيم المركز المالي والاستغلال للدولة المستعمرة، وفي تمويل مشترياتها من الدول الأجنبية. ومن أمثلة ذلك أن صادرات الملايو من المطاط استخدمت في تنمية احتياطيات إنجلترا من الدولار بعد أن كان هذا الاحتياطي مهدداً بالهبوط. وأن صادرات آسيا الوسطى وقازاقستان من القطن والذهب والمعادن والنفط والغاز كانت تستخدم لزيادة احتياطيات روسيا الاتحادية من العملة الصعبة. 3. وأن الشركات والمصالح التي قامت بعملية الاستغلال الاقتصادي لحساب الدولة المستعمرة عملت على نزح الأرباح الطائلة التي جنتها إلى الخارج وإعادة توظيفها بما يعود بالرفاهية على الدولة المستعمرة وحدها، ولم يخصص أي جانب منها على الإطلاق لمحاربة أوضاع التخلف أو تحسين ظروف الحياة في المناطق التي قاست من وطأة هذا الاستغلال الاقتصادي. وقد أدت تلك العوامل مجتمعة إلى تعميق الهوة الاقتصادية التي تفصل بين الطرفين، فالدولة التي حصلت على استقلالها، تعتبر الدول الاستعمارية مسؤولة بالدرجة الأولى عن تخلفها كنتيجة لسياسات الاستنزاف الاقتصادي التي تعرضت لها، وهي تستحثها على المشاركة في تنميتها، كنوع من التعويض عن الأضرار والمظالم الفادحة التي ألحقتها بها، إلا أن الدول الاستعمارية تتنصل من أداء هذا الدور، ولم تخصص له من إمكانياتها إلا النذر القليل. مما أدى إلى فقدان الثقة بين الطرفين. لأن الاستعمار وما ارتبطت به من سياسات التمييز والاضطهاد العنصري، تسبب هو الآخر في إحداث فجوة نفسية واسعة بين الدول الاستعمارية الأوروبية، وبين الدول التي خضعت للسيطرة الاستعمارية في آسيا وإفريقيا وغيرها من مناطق العالم. وهذه الفجوة النفسية ولدت ضغوطاً وتوترات دولية، لا نعتقد أن تأثيراتها النفسية ستتوقف في المستقبل القريب، وذلك أن المرارة التي خلقتها تلك السياسات من العمق، بحيث لا يمكن إزالة رواسبها ببساطة كما يتبادر إلى أذهان البعض.
وفي الواقع أن سياسات التمييز العنصري أحيطت بعدد من الاعتبارات وأنتجت العديد من النتائج، أهمها: أولاً: أن تطبيق السياسات الاستعمارية العنصرية كان يخدم هدفاً سياسياً أساسياً، هو تعميق الشعور بين سكان المستعمرات بتدنيهم العنصري والحضاري بالمقارنة مع الأجناس الأوروبية المتفوقة (العقدة العنصرية). واتخذتها الدول الاستعمارية كسلاح للنيل من معنويات تلك الشعوب، وكسر مقاومتها، والتغلب على رفضها لسياسات السخرة والاستنزاف التي طبقت عليها. وحملتها في النهاية على القبول بالأمر الواقع والاستسلام للمستعمر والأمر الواقع. ثانياً: أن سياسات التمييز العنصري التي قامت على تحقير شان الأجناس التي تنتمي إليها شعوب المستعمرات، وعلى احتكار المستوطنين الأوروبيين لكل مراكز القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي في المستعمرات، كانت تعامل سكان المستعمرات في نفس الوقت على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وتنكر عليهم أبسط حقوقهم الإنسانية. وهو الشعور بالمهانة والاضطهاد الذي عبأ الشعور العام في تلك المستعمرات كلها، وحفزها على الثورة ضد الاستعمار وضد سياساته وأهدافه وأساليبه الاستعمارية. وهناك أمثلة كثيرة توضح الجانب اللا إنساني في سياسات التمييز العنصري التي طبقها الاستعمار ضد شعوب المستعمرات، ومنها إفريقيا الفرنسية، كما كان يطلق عليها في الماضي. وكان الأفارقة لا يعاملون كمواطنين، وإنما كرعايا لا يتمتعون بأية حقوق سياسية (واستمر ذلك حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية)، كما أن تجنيدهم للخدمة العسكرية كان يستمر لفترات أطول بكثير من تلك التي يقضيها المجندون الفرنسيون، إضافة لتطبيق نظام السخرة والعمل الإجباري عليهم، للعمل في المشاريع التي تخدم الوجود الاستعماري مثل شق الطرق ومد السكك الحديدية، وإيقاع العقوبات الجنائية الجماعية ضد أية تصرفات تفسرها بأنها انتهاك للوضع القائم. وقد حدثت أشياء مماثلة لهذا للشعوب التي خضعت للحكم الاستعماري البريطاني، والياباني، والروسي، والألماني، والإيطالي، والهولندي، والبلجيكي، والبرتغالي، والإسباني. ولعل أبشع الأمثلة على سياسات التمييز العنصري هي تلك التي مارستها حكومة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا حتى تسلم نلسن منديلا السلطة فيها، وما فعلته الأقلية البيضاء في روديسيا الجنوبية، وأنغولا، وغينيا، وموزمبيق، قبل استقلال تلك الدول في مطلع السبعينات من القرن العشرين. ثالثاً: أن السياسات الاستعمارية عملت على خلق وإثارة مشاكل الأقليات العرقية والدينية في المستعمرات، لتكون الحجة الواهية للاستعمار، وتثبيت أركان الاحتلال، ولم تزل نتائج تلك السياسات تسبب وتؤدي إلى حدوث مضاعفات سياسية دولية، لازال العالم يقاسي منها الكثير رغم انتهاء النماذج التقليدية للسيطرة الاستعمارية. وقد اتخذ النهج الاستعماري من مشكلة الأقليات ثلاثة اتجاهات أو بالأحرى ثلاثة سياسات كانت في تقديره كفيلة بتدمير الأساس القائم من التجانس العنصري والوحدة الاجتماعية في المناطق التي نفذت فيها هذه السياسات.
وقام المظهر الأول من تلك السياسات بإيثار بعض الأقليات بمعاملات تفضيلية من نوع أو آخر، لخلق حالة من الشعور بالعرفان والولاء من جانب تلك الأقليات، لاستخدامها من ثم كأداة لإحكام السيطرة الاستعمارية بشكل أكثر فاعلية على أغلبية السكان في المستعمرة. ومن أمثلة ذلك ما حاولت إنجلترا أن تفعله في مصر عندما أصدرت في 28 فبراير 1922 تصريحها المشهور بمنح مصر الاستقلال (استقلال شكلي بالطبع) مع إبقائها على ما أسمته بالتحفظات الأربعة ومنها حماية الأقلية القبطية (المسيحية) في مصر واعتبار ذلك إحدى مسؤوليات الحكم الاستعماري . وقد قصدت من ذلك إثارة الفرقة الطائفية بين المسلمين والأقباط بعد أن رأتهم يلتحمون في ثورة 1919 التي تعتبر واحدة من أبرز الثورات الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في التاريخ، وسياسة الإيقاع بين الهندوس والمسلمين في الهند. أما المظهر الثاني لتلك السياسات فكان يقوم على تشجيع هجرة اليد العاملة الرخيصة من مستعمرة إلى مستعمرة أخرى، أو حتى من بعض الدول الأجنبية إلى تلك المستعمرات، وقد خلق ذلك مع مرور الزمن مشكلة الأقليات العنصرية الوافدة التي ترتبط مصالحها ارتباطاً وثيقاً بالسيطرة الاستعمارية، أو على الأقل أصبحت تلك المستعمرات مصدر حياة لليد العاملة المهاجرة تلك بعد أن فقدت صلتها بأوطانها الأصلية. وأما المظهر الثالث والأخير فكان في فتح أبواب الهجرة إلى تلك المستعمرات أمام العناصر المغامرة التي وجدت فيها فرصاً أفضل للعمل ومجالاً أوسع للدخل. وقد تسببت تلك الأوضاع كلها في إيجاد أقليات مميزة على حساب الأغلبية من السكان الأصليين، وأدى تعارض وتوزع ولاء تلك الأقليات بين المجتمعات التي هاجرت منها، والمجتمعات التي هاجرت إليها واستقرت فيها، إلى جعلها موضع شك وريبة وكراهية أحياناً من قبل الشعوب التي قدمت للعيش بينها، ومنها على سبيل المثال وضع الأقلية الصينية في بعض الدول الآسيوية. وفي حالات أخرى كثيرة أدت مشاكل الأقليات إلى تفجير العديد من الصراعات الدموية والحروب الأهلية التي استقطبت أطرافاً خارجية إلى ساحتها، وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً ومستمراً للسلام العالمي. ولهذا تنظر معظم الشعوب الإفريقية والآسيوية إلى الغرب على أنه عدوها الرئيسي، انطلاقاً من سياسة الاضطهاد والتمييز العنصري التي مارسها الحكم الاستعماري التقليدي فيها. والتي انبثق عنها احتكار العنصر الأوروبي المتفوق كل مراكز القوة السياسية والاقتصادية، إضافة لتكريس التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي على العناصر المحلية. مما خلق فئة أوروبية مستوطنة متفوقة ارتبطت بالنفوذ والمصالح الاستعمارية.
وإلى جانب الشعور بالتمييز والاضطهاد العنصري من قبل المستعمرين الأوروبيين، تعيش الدول الآسيوية والإفريقية اليوم، نتائج الحكم الاستعماري الذي استنزف المقدرات المادية والموارد الطبيعية لتلك الدول، وخلق لها مشاكل بيئية صعبة، وأبقاها في حالة من التخلف الاجتماعي والاقتصادي. مما دفع العديد من تلك الدول للعمل على حماية مصالحها الاقتصادية من أخطار المصالح الاقتصادية للدول الاستعمارية السابقة عليها، وحماية استقلالها وسيادتها القومية، والسعي للتخلص من الضغوط الخارجية الموجهة ضدها. وهو ما نراه واضحاً في التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الأفروآسيوية، التي تندد بسياسات مناطق النفوذ، وأساليب الضغط والحصار الاقتصادي اللذان يهددان الاستقلال السياسي للدول الإفريقية والآسيوية. وهو ما يدفع معظم تلك الدول للعمل من أجل تصفية التركة الاستعمارية، والتخلص من كل مصادر النفوذ والسيطرة الاستعمارية، والابتعاد عن الانضواء تحت لواء التحالفات العسكرية التي تقودها الدول الاستعمارية السابقة، أو السماح للدول الكبرى باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية.
الهدف من العلاقات الدولية الأسيوية والإفريقية: ولما كان الهدف من العلاقات الدولية هو تعزيز السيادة القومية والاستقلال السياسي للدولة وإيجاد علاقات ودية مع مختلف دول العالم. فإن الدول الآسيوية والإفريقية بعد الاستقلال احتاجت قبل كل شيء للتخلص من السيطرة والنهم الاستعماري الذي لا يشبع طالما كان لدى الدول الاستعمارية السابقة الشعور بوجود المزيد من فرص النهب والتوسع وإمكانياته. واحتاجت لإمكانيات للتصدي لوسائل السيطرة الاستعمارية التي لم تزل تعاني منها شعوب المستعمرات السابقة في آسيا وإفريقيا وباقي أنحاء العالم. والتي سنستعرض أهمها لاحقاً في هذا البحث.
آثار السيطرة الاستعمارية على بعض الدول لآسيوية والإفريقية: للسيطرة الاستعمارية أساليبها التقليدية والمعاصرة، والغرض الأساسي منها إخضاع الشعوب والدول لسيادتها، والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية والبشرية، وتسخيرها لصالحها. ومن وسائل السيطرة الاستعمارية نذكر الوسائل العسكرية وهي الأقدم من بينها، وتتمثل بالاحتلال العسكري المباشر لأراضي الغير، أو فرض التبعية العسكرية على الدول المستقلة؛ والوسائل الاقتصادية التي تستمر بعد انتهاء الاحتلال لعسكري المباشر، أو فرض التبعية الاقتصادية على الدول المستقلة، وهي بمثابة النزيف الذي لا يتوقف عن هدر وامتصاص مقدرات تلك الدول بشتى الطرق؛ والوسائل الثقافية وهي الأخطر من بينها كلها، وتشكل عماد سياسة السيطرة والنفوذ للدول المتقدمة على الدول النامية في عصر العولمة الاقتصادية والثقافية.
وسائل السيطرة الاستعمارية: الوسائل العسكرية: وهي من أكثر وسائل السيطرة الاستعمارية شيوعاً على الإطلاق، ولاسيما في الماضي. ومن واقع المشاهدات التاريخية، نرى أن أعظم الغزاة على مر التاريخ كانوا أشدهم تطرفاً من حيث النزعة الاستعمارية، فقد أستخدم الغزو العسكري لتوسيع ممتلكات الإمبراطوريات الاستعمارية، والتمكين لسيطرتها ونفوذها وقوتها على حساب غيرها من الدول والمناطق. واستخدام الوسائل العسكرية في الغزو الاستعماري كان يستجيب لحاجة سيكولوجية معينة، وهي الإرضاء النفسي للزعيم أو القائد الذي يمارس هذا الأسلوب بنجاح وهو ما لا يمكن أن يتحقق بنفس الدرجة دون استخدام الأدوات العسكرية. وقد كان بإمكان نابليون بونابرت مثلاً، أن يفرض سيطرة فرنسا على أوروبا بقوة الأفكار والمعتقدات التي أتت بها الثورة الفرنسية، أي بالأدوات الثقافية، دون الحاجة للوسائل العسكرية، ولكننا نرى أنه لجأ بدلاً من ذلك إلى وسيلة الغزو العسكري لإشباع تلك الحاجة النفسية التي تتحقق مع زهو الانتصار وخيلائه. غير أن هناك حقيقة أخرى وهي أن التركيز على الوسائل العسكرية في فرض السيطرة الاستعمارية، قد ينجح فعلاً في أن يصل إلى أهدافه كما حدث للإمبراطورية الرومانية في السابق، وقد يفشل وتفقد الدولة الاستعمارية نفسها ما حصلت عليه في سياق سعيها للحصول على المزيد من الممتلكات خارج حدودها القومية، كما حدث لنابليون. وقد ينتهي التوسع بوقوع الدولة الاستعمارية نفسها مع ممتلكاتها تحت السيطرة الاستعمارية للآخرين كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية لألمانيا، وإيطاليا، واليابان. وهو ما يكشف عن الطبيعة المقامرة في عملية فرض السيطرة الاستعمارية بالوسائل العسكرية.
الوسائل الاقتصادية: وهي الوسائل التي تؤدي إلى توسيع إطار السيطرة الاستعمارية بنفس الدرجة التي تحدث نتيجة لاستخدام الوسائل العسكرية. خاصة وأن السيطرة الاستعمارية بالوسائل الاقتصادية تعطي نتائج أكثر عمقاً وأكثر استمراراً وتأثيراً في بعض الحالات، وخاصة في ظل العولمة الاقتصادية التي تتفوق فيها الدول المتقدمة فقط. ومن الأمثلة المعاصرة لوسائل السيطرة الاقتصادية دبلوماسية الدولار الذي لم تزل تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية حتى اليوم، ودبلوماسية البترول التي استخدمتها بريطانيا في بعض المناطق في آسيا وإفريقيا مما أعطاها مركزاً متفوقاً ومرموقاً في العلاقات الدولية آنذاك.
الوسائل الثقافية: وهي من أذكى وأخبث الوسائل المستخدمة في فرض السيطرة الاستعمارية على الإطلاق، وزاد من إمكانياتها الهائلة التقدم التقني في وسائل الاتصال الحديثة التي فرضت وجودها في عصر العولمة. لأن هدفها ليس السيطرة على أرض أو على النظام الاقتصادي لدولة من الدول، وإنما غزو العقول والسيطرة عليها، واتخاذها منطلقاً نحو تبديل علاقات القوة القائمة بين من يستخدمها لحسابه ومن تستخدم ضده. خاصة وأن التأثيرات الناتجة عن السيطرة الاستعمارية بالوسائل الثقافية تكون أكثر استقراراً واستمراراً من تلك التي يقود إليها استخدام الوسائل العسكرية والاقتصادية. ومن أكثر الدول التي استخدمت الوسائل الثقافية في دعم سيطرتها خارج حدودها القومية كانت فرنسا التي أطلقت على وسيلتها الثقافية في المناطق التي خضعت لنفوذها واستعمارها "رسالة التمدن"، وقد كان واضحاً استخدام فرنسا الناجح لهذه الأدوات أكثر ما يكون في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط قبل الحرب العالمية الأولى حيث كان تغلغل الثقافة الفرنسية هناك ركيزة أساسية من ركائز السياسة الاستعمارية الفرنسية. وأصبحت الوسيلتان الاقتصادية والثقافية اليوم، وفي ظل عصر العولمة من أكبر الأخطار التي تهدد الأمن القومي وسيادة واستقلال الدول النامية والفقيرة في العالم بأسره.
محاولة الدول الآسيوية والإفريقية التصدي لآثار الأساليب الاستعمارية: وتتمثل في محاولة الدول الآسيوية والإفريقية التصدي لنتائج وآثار الأساليب التقليدية التي اتبعتها الدول الاستعمارية في حسم صراعاتها حول المستعمرات، بصورة ترضي أطماعها ومصالحها، دون الحاجة لاستخدام الدول الاستعمارية لوسائل العنف المسلح لحسم تلك الصراعات، ومن أبرز تلك الأساليب كان:
أسلوب اقتسام الغنائم الاستعمارية: وهو تقسيم مناطق النفوذ التي كانت تأتي تلبية للمصالح الاستعمارية دون سواها، ولم تكن مصالح الشعوب المستعمرة أو حقوقها الوطنية تحظى بأي اهتمام يذكر. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك، إرضاء بريطانيا العظمى للمطالب الألمانية في شرق إفريقيا عن طريق إعادة تقسيم المستعمرات البرتغالية هناك بينهما، وهو الاتفاق الذي لم ينفذ. وتقسيم مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية، وانفراد كل منها داخل منطقة نفوذها دون تدخل من قبل الآخرين. كتسليم فرنسا بالنفوذ البريطاني في مصر عام 1904، مقابل تأييد بريطانيا لفرنسا ضد ألمانيا في مراكش، وإعلان إيطاليا عن تأييدها للسياسة الفرنسية في مراكش مقابل موافقة فرنسا على إطلاق يد إيطاليا في ليبيا، واتفاقية عام 1907 بين روسيا وبريطانيا حول إيران، واتفاقية عام 1904 بين روسيا واليابان حول تقسيم منشوريا إلى منطقتي نفوذ بينهما.
أسلوب إنشاء الدول الفاصلة: وهي الطريقة التي كانت شائعة في إقرار التسويات بين الدول الاستعمارية، وهدفها إقامة دول أو مناطق فاصلة بينها لمنع الصدامات العسكرية بينها على الحدود الفاصلة بين مستعمراتها. والحفاظ على التوازن الإقليمي بينها عن طريق منع أحد الجانبين من التوسع الإقليمي على حساب الآخر. ومن الأمثلة على ذلك أفغانستان التي كانت تفصل بين الهند بحدودها الشمالية الغربية المكشوفة التي يسهل اختراقها وغزوها، وبين المستعمرات الروسية في تركستان عن طريق شريط طويل وضيق من الأرض يمتد شرقاً حتى يصل إلى التيبت. وقد وافقت بريطانيا وروسيا في عام 1907 على أن تبقى أفغانستان كدولة فاصلة بين المستعمرات الروسية في تركستان (جمهوريات أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق)، والمستعمرات البريطانية في الهند (الهند، وباكستان اليوم). وهو ما حدث بالنسبة للتيبت أيضاً قبل أن تضمها الصين إلى أراضيها.
أسلوب المشاركة في الامتيازات وسياسة الباب المفتوح: وهو الأسلوب الذي عرف بالاتفاقيات الخاصة واتبعته الدول الاستعمارية للمشاركة بينها في الامتيازات داخل إحدى المناطق الواقعة تحت النفوذ الاستعماري. أما سياسة الباب المفتوح فقد اتبعته الدول الاستعمارية في منح بعضها البعض حقوقاً متساوية للتجارة في مناطق النفوذ الاستعمارية بغض النظر عن الدولة المسيطرة على المستعمرة، لتصبح وكأنها خاضعة لسيطرة استعمارية جماعية. وخير مثال على ذلك معاهدة عام 1885 الدولية التي جعلت المستعمرة البلجيكية في الكونغو مفتوحة لجميع الدول التي لها مصالح تجارية واقتصادية في الكونغو، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعته الدول الاستعمارية حيال الصين في القرن التاسع عشر. وتختلف المشاكل الناتجة عن السياسة الاستعمارية من بلد وآخر وفقاً للتبعة الاستعمارية التي كانت مفروضة عليه. إذ كان هناك نوعان من المستعمرات منها ما تم الاستيلاء عليها كنقاط ارتكاز محدودة مستعمرات، وهي عبارة عن مساحة جغرافية صغير نشأت في البداية كمحطات على الطرق التجارية البحرية الهامة، أو كمواقع تتحكم بمناطق إستراتيجية معينة تهم مصالح الدول المستعمرة. كمستعمرات مضيق جبل طارق (إسبانيا)، وجزيرة مالطا، وجزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، وسنغافورة، وهونغ كونغ في الشرق الأقصى، وميناء جيبوتي وميناء عدن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وقناة السويس (مصر) بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، وقناة بنما في أمريكا الوسطى. أو المستعمرات الواقعة داخل أقاليم برمتها خاضعة للسلطة الاستعمارية لدولة معينة.
والمستعمرات الواقعة داخل أقاليم السيطرة الاستعمارية خضعت لنوعين من الاستعمار: الأول: الاستعمار الاستيطاني من ضمن السياسة التي اتبعتها الدول الاستعمارية في تهجير أعداد كبيرة من مواطنيها للسكن الدائم في المستعمرة كما حصل في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، حيث تم خلق مجتمع فرنسي محلي فيها بغرض طمس الشخصية القومية العربية للجزائر، والتحكم بمقاليد السلطة السياسية والاقتصاد والثقافة والمجتمع فيها واستغلالها بالكامل لصالح الدولة المستعمرة. وكذل الحال في روديسيا وجنوب إفريقيا والمستعمرات البرتغالية في القارة الإفريقية، وفلسطين التي خلقت بريطانيا فيها وضعاً استيطانياً فريداً عندما سمحت بالهجرة اليهودية على حساب السكان الأصليين من العرب الفلسطينيين الذين شردوا وطردوا من بلادهم، ليحل مكانهم مستوطنون قادمون من أنحاء مختلفة من العالم، للإقامة في دولة إسرائيل التي أقيمت بقرار منظمة الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين بين العرب والمستوطنين اليهود بعد خروج بريطانيا منها. وهو الوضع الذي أدى لنشوء صراع لم يزل يهدد السلم والاستقرار العالمي حتى اليوم، بسبب تعثر الجهود السلمية لحل القضية عن طريق التفاوض، وسياسة التهجير القسري لشعوب بأكملها داخل الاتحاد السوفييتي السابق، وتوطينها في أماكن أخرى بعيدة وغريبة عن مناطق سكنها الأصلية، مما خلق إخلال في التوازن العرقي في تلك المناطق التي كانت خاضعة للاحتلال الروسي. والثاني: الاستعمار المبني على الاستغلال وتمثل بقدوم الأوروبيين من الدولة المستعمرة إلى المستعمرات بشكل محدود اقتصر على قوات الاحتلال العسكرية، وعناصر الإدارة الاستعمارية، والبعثات التبشيرية المسيحية، والتجار والمغامرين الذين لم يتخذوا من المستعمرة موطناً دائماً لهم، بل جاءوا إليها للاستغلال والعودة مرة أخرى إلى مواطنهم الأصلية، وهو الواقع الذي تركت فيه معظم المستعمرات الإفريقية بعد انتهاء الاحتلال. ولفهم الطبيعة الاستعمارية التي تعاني من نتائجها معظم الدول الآسيوية والإفريقية المستقلة اليوم، وتنعكس مباشرة على علاقاتها الإقليمية مع دول الجوار ودول العالم الأخرى، لابد من تسليط بعض الضوء على تاريخ تطور الحركة الاستعمارية في التاريخ الحديث، فكيف كانت البدايات ؟
التطور التاريخي للاستعمار: فقد بدأ تطور الحركة الاستعمارية العالمية بمفهومها الحديث في أواخر القرن الثامن عشر مع ظهور بعض القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها القوتان البحريتان آنذاك بريطانيا، وهولندا. حيث بدأت هاتان القوتان وغيرها من القوى الاستعمارية مرحلة جديدة من الصراع الاستعماري فيما بينها، كان الهدف منه تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بعد تبلور قوى جديدة على الساحة الأوروبية لم تكن موجودة في أي مرحلة سابقة في التاريخ الحديث.
وهي المرحلة التي عرفت بمرحلة انبثاق الاستعمار الغربي بكل ما عرف عنه من قوة وجبروت. وغيرت تلك المرحلة مجرى العلاقات الدولية لفترة طويلة امتدت حتى أواسط القرن العشرين. ومن أهم العوامل التي وفرت لأوروبا المقدرات الضخمة للتوسع الاستعماري في تلك الفترة التاريخية: 1. أن أوروبا كانت قد استطاعت استغلال قواها الاقتصادية ومواردها المادية بطريقة فعالة مكنتها من التفوق على القارتين الآسيوية والإفريقية، اللتان كانتا آنذاك الساحة الرئيسية للصراعات الاستعمارية. فالحروب التي وقعت بين القوى المتصارعة على الساحة الأوروبية أدت إلى تطوير أدوات الحرب والدمار على نحو لم تكن القارتين الآسيوية والإفريقية مستعدة له. إضافة لتفوق الدبلوماسية الأوروبية التي نجحت في التغلغل داخل القارتين، مستغلة النزاعات المحلية والتفكك الذي كانت تعاني منه دول القارتين الإسلامية (الدولة العثمانية في شرق أوروبا وآسيا الصغرى والمشرق العربي، وشمال إفريقيا، وبقايا الدولة التيمورية في الهند وآسيا المركزية، والدولة الصفوية في فارس، ودولة البوسعيد (سلطنة عمان) على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية والسواحل الشرقية للقارة الإفريقية وبحر العرب)، مما ساعد أوروبا في النهاية على احتلال وتحويل القارتين إلى مناطق نفوذ خاضعة لسيطرتها التامة. 2. وإلى جانب التفوق الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الذي تمتعت به الدول الأوروبية، كان التفوق الناتج عن إقامة حكومات مركزية قوية في ظل وجود دول قومية موحدة، دعمت من قوة تلك الحكومات المركزية وأدت إلى ازدهار الدعوة إلى زيادة الثراء المادي للدولة القومية الموحدة من خلال الصراع الأوروبي، وفرض النفوذ والتوسع الاستعماري على حساب الغير في القارتين الآسيوية والإفريقية. 3. وأدى التفوق الأوروبي الذي أخذت ملامحه في التبلور والثبات بعد عصر النهضة الأوروبية إلى زيادة ثقة الدول الأوروبية بنفسها، مما جعلها تقدم على تحمل مخاطر لم تكن في السابق لتقدم عليها. ومن هنا يمكن القول بأن التفوق الأوروبي في الثروة التي جاءت بها الدول الاستعمارية من القارتين الأمريكيتين، وصناعة وامتلاك الأسلحة النارية والميكانيكية ووسائل النقل الحديثة، وتطور المهارات الدبلوماسية والخبرات التنظيمية في العلاقات الدولية، وفي الإنتاج الصناعي، وفي ارتفاع مستوى معيشة الفرد الأوروبي، جعل الدول الأوروبية في مركز أقوى بكثير من الدول الآسيوية والإفريقية.
وجاءت المرحلة الثانية من الصراع والتسابق الأوروبي للحصول على المزيد من مناطق النفوذ والمستعمرات شرق القارة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بفضل تقدم الثورة الصناعية في أوروبا. فاتجهت بريطانيا لتعويض خسائرها في القارة الأمريكية بعد عام 1776 لاحتلال الملايو، وسيلان، وجنوب إفريقيا، على حساب هولندا التي تدهورت وفقدت مركزها كدولة استعمارية أوروبية. واستمرت بريطانيا في حملتها الاستعمارية المتجهة شرقاً لإكمال سيطرتها على الهند والتي بدأت باحتلال المناطق الساحلية أولاً، ومن ثم انتقلت للتقدم في عمق شبه القارة الهندية لتحتلها وتفرض سيطرتها عليها بالكامل. ولم تتوقف الأطماع الاستعمارية البريطانية عند هذا الحد، بل اتجهت شرقاً داخل القارة الآسيوية لتخوض حرباً مع الصين عام 1839، تمكنت من خلالها جعل تجارة الأفيون تجارة مشروعة، وخرجت من تلك الحرب عام 1842 منتصرة لتتحكم بعدد من الموانئ الصينية واستخدمتها بعد ذلك للتوسع الاستعماري في المنطقة وخاصة بعد استيلائها على ميناء هونغ كونغ. وخلال الحرب العالمية الثانية التي شاركت بريطانيا فرنسا في الحرب فيها ضد الصين، مما أجبر الصين على فتح المزيد من موانئها أمام الدول الاستعمارية، حتى أن الصين سمحت للدول الاستعمارية الأوروبية باستخدام الملاحة في نهر يانغتسي، ووافقت على دخول البعثات التبشيرية المسيحية الأجنبية إلى أراضيها، وتمكنت تلك البعثات من توطيد أقدامها في الصين مستفيدة من الدعم غير المحدود من الدول الاستعمارية الأوروبية كونها وسيلة من وسائل السيطرة الاستعمارية على الصين.
أما فرنسا فقد بدأت باحتلال الجزائر عام 1830، ومنها توسعت فارضة سيطرتها الاستعمارية على أجزاء كبيرة من الساحل الإفريقي الشمالي، الذي انطلقت منه فيما بعد لفرض سيطرتها على أجزاء شاسعة من القارة الإفريقية. وفي الوقت نفسه تضافرت الجهود العسكرية والدبلوماسية الفرنسية في جنوب شرق آسيا، لتحقق لفرنسا السيطرة على الدول الهند الصينية، التي أصبحت خاضعة لنفوذها في عام 1884. مما دفع ببريطانيا إلى احتلال بورما، وإحكام سيطرتها على الملايو. بينما اندفعت هولندا بقوة لاحتلال إندونيسيا، من ضمن الصراع بين الدول الاستعمارية للحفاظ على توازن القوة الذي كان قائماً بينها آنذاك. وتابعت فرنسا توسعها في القارة الإفريقية ومدت سيطرتها الاستعمارية من الجزائر لتشمل تونس ومراكش، وأخذت بالتدريج تضم أجراء كبيرة من غرب ووسط إفريقيا إلى ممتلكاتها الإفريقية. الأمر الذي دفع ببريطانيا أيضاً لدخول حلبة الصراع الاستعمارية الأوروبية في القارة الإفريقية، فقامت باحتلال مصر عام 1882، ومنها أخذت بالتوسع والقيام بعمليات الاستكشاف في عمق القارة الإفريقية، متخذة لنفسها قواعد في الأجزاء الشرقية من القارة الإفريقية كقاعدة للانطلاق منها للتوسع غرباً في العمق الإفريقي. وقامت فرنسا بمشاركة بريطانيا باحتلال منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، أثناء الحرب العالمية الأولى، نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو الشهيرة، لاقتسام أملاك الدولة العثمانية بعد انهيارها إثر الحرب العالمية الأولى، حيث وقعت سورية ولبنان تحت السيطرة الفرنسية، بينما وقع العراق والأردن وفلسطين تحت السيطرة البريطانية. إضافة لمستعمراتها السابقة في مصر والسودان ومعظم شواطئ شبه جزيرة العرب، وسيطرتها على إيران.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823 أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكية، ومعارضة الولايات المتحدة الأمريكية لأي محاولة أوروبية للعودة إلى استعمار القارتين الأمريكيتين الشمالية واللاتينية. وعاد الرئيس الأمريكي بولك عام 1845 للتأكيد على معارضة الولايات المتحدة الأمريكية لأي تغيير في الأوضاع الإقليمية القائمة في القارتين الأمريكيتين، سواء بتعديلها أو بنقل ملكيتها من دولة إلى أخرى. وشهدت تلك الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ظهور نزعات استعمارية قوية داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فانطلقت بعض الأصوات تدعو لضم كوبا إلى الولايات المتحدة، بينما دعي البعض الآخر إلى إقامة إمبراطورية أمريكية تضم جمهوريات أمريكا الوسطى: بنما، والدومينيكان، وكوستاريكا، ونيكاراغوا، وهندوراس، والسلفادور. وفي الوقت ذاته استمر توسع الولايات المتحدة الأمريكية في المحيط الهادئ، مما أدى إلى نشوب الحرب بين الولايات المتحدة والمكسيك عام 1845، ونشوب نزاع بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية حول إقليم أريغون. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة الشرق الأقصى بالازدياد. فقامت بإجبار اليابان التي كانت تعيش حالة من العزلة منغلقة على نفسها، على إقامة علاقات تجارية مع الغرب، وأرسلت السفينة كومودور بيري إلى خليج طوكيو عام 1853، ووقعت مع اليابان معاهدة عام 1858 لتنظيم التجارة بين الولايات المتحدة واليابان، واشتملت المعاهدة على تحديد نسبة الضرائب الجمركية بما لا يتجاوز الخمسة بالمائة على التجارة التي تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليابان حتى نهاية القرن التاسع عشر، وأدت تلك القيود الجمركية إلى عرقلة التقدم الصناعي في اليابان والحد من مواردها من الرسوم والعوائد الجمركية. كما وقامت بشراء ألاسكا من الإمبراطور الروسي. ونتيجة للحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا عام 1898 تحررت بورتوريكو، وكوبا من الاستعمار الإسباني. وفي أوائل القرن العشرين لم تتغير السياسة الاستعمارية للولايات المتحدة الأمريكية، وقامت سياسة الرئيس تيودور رزفيلت على تأكيد تفوق الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ووقعت سلسلة من التدخلات الأمريكية والاحتلال لدول البحر الكاريبي وجمهوريات أمريكا الوسطى، والفلبين، وفيتنام، وكوريا الجنوبية وغيرها.
بينما كان اهتمام السياسة الاستعمارية للإمبراطورية الروسية منصباً جنوباً نحو البلقان، والقرم، وتركستان. وشرقاً نحو منشوريا، ومنغوليا.
أما عن الدول الأوروبية الأقل إمكانية من بريطانيا وفرنسا، فقد اتجهت كلاً من بلجيكا والبرتغال وإسبانيا وهولندا لاستعمار الكونغو، وأنغولا، وموزمبيق وبعض أجزاء الساحل الشمالي الغربي من القارة الإفريقية، وجزر جنوب شرق آسيا. بينما اتجهت ألمانيا التي دخلت النادي الاستعماري الأوروبي بشكل متأخر لإقامة بعض المستعمرات لها على طول الساحل الغربي لإفريقيا شمل: التوغو، والكاميرون، وفي جنوب غرب إفريقيا وتنجانيقا. بينما اتجهت إيطاليا لاحتلال واستعمار ليبيا وإثيوبيا وأجزاء من شرق إفريقيا.
ومع ظهور اليابان كدولة استعمارية في الشرق الأقصى بدأت بالتوسع على حساب دول شرق آسيا وخوض حروب استعمارية ضد روسيا والصين والدول الآسيوية الصغيرة، وبعض جزر المحيط الهادئ.
وعموماً يمكن إيجاز الوضع الاستعماري حتى قيام الحرب العالمية الأولى بالتالي: أنه كانت هناك مجموعة من الدول الكبرى المتوثبة للحصول على مصالح استعمارية واسعة، ومستعمرات وهي ألمانيا وإيطاليا واليابان؛ ومجموعة من الدول الكبرى تدافع عن مصالحها الاستعمارية، والوضع القائم في مواجهة تلك الدول الثلاثة، وفي مقدمتها بريطانيا العظمى، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية؛ وخروج الإمبراطورية الروسية من الحلبة الدولية للصراع من أجل التوسع والحصول على مستعمرات جديدة، بعد قيام الثورة البلشفية فيها عام 1917، رغم استمرارها بسياسة الضم والتوسع الإمبراطوري بعد ذلك واحتلالها لإمارة بخارى عام 1920. وخروجها من المباحثات السرية مع بريطانيا وفرنسا لتقسيم الممتلكات العثمانية والألمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وإعلانها لبنود اتفاقية سايكس بيكو السرية وإدانتها للاستعمار، دون تخليها عن مستعمراتها في القارتين الآسيوية والأوروبية.
تزايد الحركات القومية المطالبة بالتحرر والاستقلال في المستعمرات: وتميزت المرحلة الثالثة من تاريخ الحركة الاستعمارية التي بدأت بعد الحرب العالمية الأولى وانتهت بوقوع الحرب العالمية الثانية، باقتسام الدول الاستعمارية الأوروبية لتركة الإمبراطوريتين العثمانية والألمانية المنهزمتين في الحرب العالمية الأولى. ففي المحيط الهادئ استولت اليابان على المستعمرات الألمانية شمال خط الاستواء، بينما استولت بريطانيا العظمى على الجزر الواقعة جنوب خط الاستواء. واقتسمت بريطانيا وفرنسا الممتلكات العثمانية شرق البحر الأبيض المتوسط، فاستولت فرنسا على لبنان وسورية، بينما استولت بريطانيا على العراق والأردن وفلسطين.
وتحولت السياسة الاستعمارية خلال تلك المرحلة، إلى استخدام غطاء عصبة الأمم لتبرير الاحتلال الاستعماري وتحويله من الاحتلال إلى نظام الانتداب الذي ابتكرته الدول الاستعمارية في عصبة الأمم. وأصبح الهدف المعلن من السيطرة على المستعمرات هو تطوير أوضاع المناطق الخاضعة للاستعمار، لتصل إلى مرحلة النضج السياسي الذي يؤهلها لتحمل أعباء ومسؤوليات الحكم الذاتي ! ؟، أما الهدف الحقيقي غير المعلن فكان تثبيت السيطرة الاستعمارية، واستخدام الانتداب كحجة لمواجهة حركات المقاومة الوطنية المتطلعة نحو الاستقلال في المستعمرات.
وقد طبق نظام الانتداب بقرار من عصبة الأمم على مناطق شاسعة في الشرق الأوسط، وجزر المحيط الهادئ. وقسمت الدول الخاضعة للانتداب إلى ثلاث فئات وفق مستوى تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي: الفئة – أ. وضمت كلاً من العراق وشرق الأردن وفلسطين التي وضعت تحت الانتداب البريطاني، وسورية ولبنان اللتان وضعتا تحت الانتداب الفرنسي؛ والفئة – ب. وضمت جزر التوغو والكاميرون وقسم الانتداب عليهما ما بين بريطانيا وفرنسا. كما واشتركت بريطانيا مع بلجيكا في الانتداب على شرق إفريقيا، حيث تولت بريطانيا الانتداب على تنجانيقا، وتولت بلجيكا الانتداب على رواندا، وأوروندي. وأسند الانتداب على جنوب غرب إفريقيا إلى جنوب إفريقيا؛ والفئة – ج. وضمت جزر المحيط الهادئ، وتولت اليابان الانتداب على الجزر الواقعة شمال خط الاستواء، وتولت أستراليا ونيوزيلندا التابعتين لبريطانيا الانتداب على المستعمرات الألمانية السابقة جنوب خط الاستواء.
وجاءت المرحلة الرابعة بعد الحرب العالمية الثانية حيث تطورت واشتدت حركة المقاومة الوطنية ضد الاستعمار، وتبدلت الظروف الدولية وبدأت معظم دول العالم التي تخلصت من السيطرة الاستعمارية، وحصلت على الاستقلال بالانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كعضو كامل الأهلية في الأسرة الدولية والعلاقات الدولية المعاصرة. وكان من بين الدول التي حصلت على الاستقلال في تلك الحقبة التاريخية كلاً من: العراق، وسورية، ولبنان، والأردن،والجزء الجنوبي من اليمن،والهند، والفلبين، وإندونيسيا، والباكستان، والهند، وقبرص، والكويت وغيرها في القارة الآسيوية. وتونس، ومراكش، والجزائر، وليبيا، ومصر، والسودان، وموريتانيا، وكمبوديا، وغانا، وغينيا، وتوغو، والكاميرون، والكونغو، والصومال، وداهومي، والنيجر، ومالي، وتشاد، وساحل العاج، ونيجيريا، وتنزانيا، وأوغندا، وسيراليون، والسنغال، وكينيا، ومالاوي، وزامبيا، وأنغولا، وموزمبيق وغيرها في القارة الإفريقية. وسيلان في المحيط الهندي. إضافة لإقامة دولة إسرائيل للمستوطنين اليهود القادمين من أنحاء العالم المختلفة، على جزء من الأرض الفلسطينية بموجب قرار منظمة الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، ذلك القرار الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات الدولية. ويعتبر معظم المؤرخين تلك المرحلة، نهاية لعصر الاستعمار بمفهومه التقليدي. واعتبروها بداية لمرحلة جديدة من أشكال الاستعمار أطلقوا عليه تسمية الاستعمار الجديد أخذت فيه أساليب السيطرة الاستعمارية شكلاً جديداً وهو ظاهرة الاستعمار الجديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق