الاثنين، 17 أغسطس، 2009

واقع إستراتيجية السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان

واقع إستراتيجية السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان

أ·د· محمد البخاري

تبلورت السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان، كمؤثر فاعل في العلاقات الدولية، وتكاملت ضمن إطار يحمي مصالحها القومية، ويطور تلك المصالح من خلال رؤية متكاملة وضع أسسها أول رئيس للجمهورية الفتية إسلام كريموف· وعبر عقد من الزمن منذ إعلان الاستقلال في الحادي والثلاثين من آب - أغسطس عام 1991 وحتى اليوم، تمكنت القيادة الأوزبكستانية من التصدي للمشكلات الرئيسية التي كانت تعترض طريق إتباع سياسة خارجية مستقلة تعبر عن المصالح القومية والسيادة الوطنية للشعب الأوزبكستاني· فما هي أهم تلك المشكلات؟
من تلك المشكلات التي اعترضت تشكل السياسة الخارجية للجمهورية الفتية، ما نتج عن تبعات الاستقلال، في ظروف كان المركز في موسكو يحتكر السياسة الخارجية بكاملها مما حرم أوزبكستان خلال العهد السوفييتي من صلاحيات إقامة علاقات دولية من أي نوع، وحتى المشاركة في صياغة القرار في السياسة السوفييتية الخارجية· وكان لا بد للقيادة الأوزبكستانية من القيام ببعض الإجراءات العاجلة انطلاقاً من نقطة الصفر، لصياغة سياسة خارجية خاصة بها وإقامة شبكة من العلاقات الدولية، وتحديد أولويات المصلحة القومية الأوزبكستانية في السيادة والاستقلال·
وقد نتج عن احتكار المركز للسياسة الخارجية تركز كل الأجهزة والكوادر والخبرة الدبلوماسية في موسكو، وامتنعت روسيا الاتحادية بعد استقلالها عن التعاون واقتسام تلك الأجهزة والكوادر والخبرات والموارد التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي السابق مع جمهورية أوزبكستان، بحكم وجودها على أراضيها· وشملت ممتلكات وأجهزة وموارد وزارة الخارجية السوفييتية الملغاة وخبراتها الدبلوماسية في الخارج أيضاً·
وكان على أوزبكستان أن تقوم بإعداد كوادرها السياسية والدبلوماسية الوطنية القادرة على تنفيذ مهام سياستها الخارجية، وتزويدها بالاحتياجات اللازمة على ضوء توسع علاقاتها الدولية· ومواجهة متطلبات النظام الدولي الجديد أحادي القطبية والمتمثل بتكتل الدول الصناعية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة· والتعامل مع القيم الفكرية الجديدة التي تفرض نظام السوق والليبرالية السياسية، والتعامل مع القوى الدولية الجديدة التي أخذت بالتصاعد في أوروبا وشرق آسيا، والاتجاه الدولي الجديد الذي سار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق نحو إقامة تكتلات وتجمعات دولية جديدة، متعددة الأطراف تتطلع نحو تحرير التجارة والاقتصاد الدولي ضمن الاتجاه الذي عرف اقتصادياً وسياسياً بالعولمة·
وكان لابد لأي صياغة للسياسة الخارجية أن تضمن المصالح الوطنية الأوزبكستانية، في ظروف اقتصادية صعبة نتجت عن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، وأدى الاستقلال لقطع العلاقات الاقتصادية التي كانت قائمة مع غيرها من جمهوريات الاتحاد المتفكك، وبالتالي خسارتها لـ85,5 في المائة من موارد تجارتها الخارجية مع تلك الجمهوريات، والذي أثر بشكل مباشر على اقتصادها· فكان على القيادة الأوزبكستانية أن تصب اهتمامها أثناء صياغة سياستها الخارجية نحو حماية حياة ورفاهية المواطن الأوزبكستاني دون إبطاء·
والمشكلة الأخرى التي واجهت السياسة الخارجية المستقلة لأوزبكستان، كونها دولة داخلية جغرافياً، ولا تملك منافذ على البحار والمحيطات العالمية· وهو ما فرض عليها إتباع سياسة خارجية متوازنة والتعامل والتفاوض والمساومة والمحافظة على علاقاتها مع دول الجوار، لضمان طرق الترانزيت التي هي بمثابة شرايين الحياة بالنسبة لها، ومواجهة مشكلة أمنها المائي لأن معظم الأنهار الجارية عبر أوزبكستان تنبع من أراضي الدول المجاورة وخاصة طاجكستان وقرغيزستان·
وكان لا بد لأوزبكستان أن تصوغ سياستها الخارجية في ظروف من عدم الاستقرار الإقليمي والدولي، والتنافس بين القوى الإقليمية والعالمية لفرض تصورها ونموذجها لسد الفراغ الذي نشأ في آسيا المركزية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق· وهو ما أشار إليه دوجلاس هيرد، وزير خارجية بريطانيا السابق، بقوله: إن آسيا المركزية تعود لعصر (المبادرة الكبرى) التي دارت في الماضي، والمباراة الراهنة تدور بين روسيا وتركيا والصين وإيران والهند، من أجل الحصول على المزايا الاقتصادية والسياسية· مما يجعل المباراة أكثر خطورة عما كانت عليه منذ مائة عام مضت، لأن الإقليم يعج بالسلاح اليوم· إضافة لتأثيرات التنافس الإيراني التركي، والباكستاني الهندي، والأدوار الروسية والصينية والأميركية والإسرائيلية الجديدة والمؤثرة في المنطقة· وحركات التطرف الديني التي برزت بعد انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان·
وتمثلت المشكلة الأخيرة في أنه على أوزبكستان أن تصيغ سياستها الخارجية من نقطة الصفر، في ظل وضع داخلي يشهد تحولات سياسية واقتصادية جوهرية، ومحاولة بعض القوى تسييس المشكلات العرقية والقومية والدينية المحلية، بقصد الإساءة للعلاقات التاريخية لأوزبكستان مع الدول الإسلامية والعربية بشكل خاص والدول المجاورة لها بشكل عام· ولهذا شرعت أوزبكستان في إجراء تحول نحو التعددية السياسية، واقتصاد السوق، وأخذت القيادة الأوزبكستانية بصياغة قواعد جديدة للتعامل مع كل تلك المشكلات·ومن هنا يمكن أن نلمس أية مهمة شاقة اعترضت الرئيس إسلام كريموف في صياغة سياسة خارجية لأوزبكستان فقد تطلب منه التعامل مع تلك المشكلات، وبلورة رؤية إستراتيجية لطبيعة التحولات الإقليمية والعالمية وآثارها على أوزبكستان، ووضع إستراتيجية للتعامل معها· إستراتيجية تتضمن فلسفة السياسة الخارجية وخارطتها· واتضحت تلك الرؤية في الخطاب الذي ألقاه الرئيس إسلام كريموف من على منبر منظمة الأمم المتحدة خلال دورتها الثامنة والأربعين في 28/9/1993 واكتملت تلك الرؤية في مؤلفاته أوزبكستان على عتبة القرن الحادي والعشرين، وأوزبكستان على طريق تعميق الإصلاحات الاقتصادية، وأوزبكستان على طريق المستقبل العظيم المنشورة باللغة العربية في بيروت وجدة، والتي تعتبر وثيقة مرجعية لفلسفة السياسة الخارجية الأوزبكستانية·
فلسفة السياسة الخارجية الأوزبكستانية: انطلق الخطاب السياسي للرئيس كريموف من تحليل موضوعي لطبيعة النظام العالمي وموقع أوزبكستان فيه، لأن هذا النظام كما يراه في عصر العولمة مترابط ومتعدد الأبعاد· ويعني هذا أنه لم يعد هناك مكان في النظام العالمي للانعزال، ويتطلب الاندماج مع مجمل التيارات الفكرية والهيكلية للنظام العالمي الجديد· وهذه الرؤية للعولمة في النظام العالمي الجديد تشكل المدخل الحقيقي الأول لرؤية الرئيس كريموف لسياسة أوزبكستان الخارجية· والمدخل الثاني في تأكيده على أن أوزبكستان تقع في قلب هذا النظام، فهي تقع في قلب آسيا، حيث تتركز مصادر الطاقة، وبالذات منابع النفط والغاز، وفي منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الآسيوية والأوروبية القوية، والدول الكبرى من العالم الإسلامي· كما أنها بحكم موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية والبشرية، وخبراتها التكنولوجية، وتراثها الثقافي والحضاري، مؤهلة لتلعب دور مركز آسيا· وقد عبر الرئيس كريموف عن ذلك في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأن أوزبكستان يمكن أن تكون نافذة آسيا، وجسراً للتعاون بين المؤسسات الدولية لتوفير الأمن في آسيا· وتواجه أوزبكستان في تلك المنطقة الإستراتيجية المهمة، مجموعة من التهديدات التي تؤثر على أمنها الوطني· وتتميز تلك التهديدات، بأنها ذات صلة متعددة الأبعاد، ومركبة ومتداخلة· ولا يرى الرئيس كريموف أن التهديدات الموجهة ضد جمهورية أوزبكستان، مجرد تهديدات عسكرية، بل إنها تهديدات سياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية متعددة ولا تقتصر على التهديد العسكري وحده·
وكما يرى الرئيس كريموف أن التهديد الأساسي والأول للأمن القومي الأوزبكستاني يكمن في النزاعات الإقليمية في آسيا، وفي مقدمتها الصراعات القائمة في أفغانستان وطاجكستان، تلك النزاعات التي أدت إلى تأخر تطور تلك الدول لعشرات السنين· وأن تلك الصراعات يمكن أن تمتد إلى أوزبكستان ذاتها حسب تعبير الرئيس كريموف فكل نزاع في أية دولة من الدول لا يمكن أن يبقى لفترة طويلة محصوراً داخل حدود تلك الدولة· فلأسباب عديدة سيمتد هذا النزاع تلقائياً إلى الدول المجاورة· وأثبتت أحداث تسلل بعض المسلحين إلى جنوب قرغيزستان في صيف عام 1999 صواب تلك الرؤية كما أثبتت الأحداث الأخيرة في أفغانستان ذلك، فالنزاعات يمكن أن تؤدي إلى نسف الوفاق الاجتماعي، والاستقرار في الدول المجاورة، وخاصة عند استخدام عنصر الدين فيها· واستمرار تلك النزاعات يعطي البعض فرصة إثارة مشاكل الشعوب المقسمة لإعادة ترسيم الحدود تحت ستار توحيد الطاجيك أو الأوزبك أو غيرهما من الشعوب المقسمة في العالم· إضافة إلى أن الحرب الأهلية الأفغانية قد أعاقت بالفعل وصول أوزبكستان إلى بحر العرب والمحيط الهندي، وخلقت مشكلة اللاجئين الذين يندفعون عبر الحدود إلى الدول المجاورة هرباً من الحروب، وإلى بروز مشاكل أخرى تمثلت في ازدهار تجارة المخدرات، وتهريب الأسلحة، وانتشار العنف المسلح والإرهاب·
ويأتي ا لتهديد الثاني من التطرف الديني، حيث أكدت أوزبكستان على الدور التربوي المهم للدين، وعلى دور الإسلام في الصراع السياسي من أجل توحيد المجتمع· ويعتبر الإفراط بالرأي الديني لطرف واحد، ومحاولة تغيير النظم السياسية بغير الطرق الديمقراطية والقوة تهديداً أمنياً خطيراً· ويرى رئيسها أن أوزبكستان هي جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، ولكن المشكلة تكمن في تحويل الشعارات الدينية، من قبل البعض، إلى راية من أجل الوصول إلى السلطة بطرق غير شرعية، ودافعاً للتدخل في السياسة· خاصة وأن تلك القوى والحركات يمكن أن تزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة، وتخلق مجابهة عالمية بين الحضارة الإسلامية وحضارات الأديان الأخرى، وهذا ليس من مصلحة لا الشعوب الإسلامية ولا غيرها من شعوب العالم·وأما التهديد الثالث فيتمثل في التعصب القومي الإمبراطوري، والعداوة القومية، من خلال سعي بعض الأمم لفرض سيطرتها خارج حدودها· لهذا يعتبر الخطاب السياسي للرئيس كريموف أن التناقضات القومية والعرقية داخل أوزبكستان، مصدر آخر لتهديد أمنها ومنها الاستيطان خلال الحكم الروسي ويفرض هذا على أوزبكستان اليوم إتباع سياسة قومية مبنية على مبدأ احترام حقوق الأقليات القومية، وحل كل المتناقضات القومية بأسلوب ديمقراطي سلمي بناء· ويعتبر الرئيس كريموف انتشار جرائم الرشوة وغسل الأموال وتجارة المخدرات وتهريب الأسلحة، والنزاعات العشائرية ضيقة الأفق داخل الدولة، تهديداً لأمن أوزبكستان الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة إذا ارتبطت تلك النزاعات بتوزيع الوظائف والمكاسب بين عناصر الفئة المنحرفة التي تحاول دوماً الاستفادة من مرحلة التحول الاقتصادي، لتحقيق مكاسب ذاتية غير مشروعة على حساب الآخرين· وأخيراً فإن المشاكل البيئية تمثل مصدراً لتهديد الأمن القومي لأوزبكستان· وتشمل مشاكل انحسار مياه بحر الأورال من أكبر الكوارث البيئية في تاريخ البشرية·
ومما سبق يتضح لنا أن مصادر تحديد الأمن القومي الأوزبكستاني، وفق منظور القيادة الأوزبكستانية هي تحديات اجتماعية واقتصادية شاملة، ولا تقتصر على البعد العسكري التقليدي وحده· فهي تهديدات داخلية، واجتماعية وبيئية· وأكثرها وفق منظور الرئيس كريموف هي تهديدات داخلية ويتطلب التعامل معها إستراتيجية شاملة للعمل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وإستراتيجية للسياسة الخارجية تحقق أهدافاً داخلية تتعلق بمصادر تهديد الأمن الوطني لأوزبكستان·
إستراتيجية التكامل مع المجتمع الدولي: حددت أوزبكستان عدة استراتيجيات محورية لمواجهة مصادر التهديدات التي أشار إليها الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية· ويتلخص اتجاه هذه الاستراتيجيات في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي الداخلي والخارجي، وبناء الاستقرار. انطلاقاً من عدة أبعاد، أهمها:أن تحقيق الاستقرار والتوازن الداخلي شرط جوهري لتحقيق استقرار وتوازن مماثلين في الخارج·ولأن السياسة الخارجية الفعالة هي تلك التي تستند إلى قاعدة اجتماعية واقتصادية قوية ومتوازنة· وهو ما أشار إليه الرئيس كريموف بالتفصيل في كتابه أوزبكستان على طريق تعميق الإصلاحات الاقتصادية الذي صدر باللغة العربية في بيروت، وكتابه أوزبكستان على طريق المستقبل العظيم الذي صدر في جدة، حيث ركز فيهما على إستراتيجية الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في أوزبكستان·
ومن هذا المنطلق فإستراتيجية السياسة الخارجية لأوزبكستان، تركز على التكامل مع المجتمع الدولي لأنها ليست مجرد حتمية تاريخية، بل كعامل قوي للاستقرار، الذي يعني الاندماج بالنظام السياسي والاقتصادي العالمي على أساس المنفعة المتبادلة، وأولوية المصالح الاقتصادية على الاعتبارات الأيديولوجية، وأولوية معايير القانون الدولي على المعايير الداخلية، والعمل ضمن النظام الدولي طبقاً للمعايير الإنسانية العامة·وتقع إستراتيجية التكامل هذه وفق التصور الأزوبكي، في قلب إستراتيجية الاندماج في الاقتصاد العالمي، التي يهدف منها إقامة اقتصاد سوق اجتماعي، حر ومنفتح على العلاقات الاقتصادية العالمية، داخل التقسيم الدولي للعمل· ويشمل الانخراط في المؤسسات الاقتصادية العالمية، مثل: منظمة التعاون الاقتصادي، ومنظمة التجارة العالمية، مع جذب الاستثمار الأجنبي، وهذا يعني أن أوزبكستان تتكامل مع مجمل توجهات ومؤسسات النظام العالمي انطلاقا من المنفعة المتبادلة· ولترجمة هذه الإستراتيجية، إلى سياسات واقعية، حددت السلطات بعض الخطوط الأساسية، وهي: بناء شبكة علاقات تحقق تنوع البدائل وزيادة الشركاء، وبناء التوازن، واتفاقيات الأمن الجماعي التي تضمن ذلك، بما فيها إعلان آسيا المركزية منطقة خالية من السلاح النووي؛ و الاعتراف بالحدود القائمة بين جمهوريات رابطة الدول المستقلة، عند الاستقلال، باعتبارها حدوداً سياسية نهائية؛ وحل النزاعات القومية في آسيا المركزية، وبالذات في طاجكستان وأفغانستان بالطرق السلمية؛ وبناء علاقات من خلال الحوار مع العالمين الإسلامي والعربي لتجنب حدوث صدام ناتج عن تفاقم التيارات الأصولية المتشددة، والعمل على إدارة نقاش فعال بين الحضارات؛ وإقامة حوار استراتيجي متكافئ مع روسيا، أساسه المشاركة والمنفعة المتبادلة؛ والتعاون مع دول آسيا المركزية لحل مشكلات البيئة؛ وتشجيع الاستثمار الأجنبي·
مما يسمح بإيجاز التوجهات الرئيسية لسياسة أوزبكستان الخارجية في خطوط محددة، أهمها: الحفاظ على المصالح الوطنية الأوزبكستانية الراهنة من خلال استمرار الروابط مع الشركاء القدامى مع جمهوريات رابطة الدول المستقلة؛ وإتباع سياسة تدريجية لتنويع البدائل والشركاء من خلال عقد روابط اقتصادية وسياسية جديدة مع مختلف القوى الإقليمية والعالمية، والاندماج التدريجي في المؤسسات الإقليمية والعالمية؛ والاهتمام بالقضايا الدولية التي تؤثر مباشرة في المصالح الوطنية الأوزبكستانية. ويعني هذا التركيز على ما يهم أوزبكستان· وتفادي امتداد نطاق الاهتمامات الخارجية للدولة بما يتخطى مقدراتها، أو إلى ما لا يعود عليها بأثر ايجابي مباشر·
ويتضح لمن يتابع السياسة الخارجية الأوزبكية، أن وظيفة السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان هي: إعطاء دفعة قوية لعملية التحول الاقتصادي· لأن السياسة الخارجية بما توفره من تشابك في العلاقات مع المؤسسات الدولية، يجب أن توفر انعكاسات ايجابية على مدى قدرة أوزبكستان في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الاستقلال·
ولهذا ومن ضمن الوسائل المحتملة للسياسة الخارجية، نرى أن أوزبكستان تركز على الوسائل الاقتصادية، أي أنها تستعمل مقدراتها الاقتصادية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، ليكون لها أثر اقتصادي ايجابي على الصعيد المحلي· بإتباع سياسة اقتصادية خارجية تقوم على تحقيق المنافع المتبادلة بصرف النظر عن الاعتبارات الأيديولوجية· دون إهمال الوسيلة العسكرية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية·
ولهذا عملت أوزبكستان على إيجاد قوة عسكرية حقيقية جيدة التدريب، وقادرة على التحرك السريع لحماية أمن الدولة· فأحدثت جيشاً وطنياً قوامه 35 ألف جندي، مزود بمعدات عسكرية تبلغ حوالي 280 دبابة، و780 عربة مدرعة، و265 طائرة مقاتلة، و24 طائرة مروحية· وتقوم القوات المسلحة الأوزبكستانية بحفظ الأمن والسلام على حدودها الدولية، إضافة لدور تقوم به في عمليات حفظ الأمن والسلام على الحدود الأفغانية الطاجيكية·
كما وتحرص أوزبكستان بحكم تراثها الحضاري والثقافي، ومن ضمن الحوار العالمي القائم بين الحضارات، على توظيف الوسيلة الثقافية والحضارية في سياستها الخارجية· وقد دعا الرئيس كريموف إلى حوار حضاري بين العالم الإسلامي والعالم العربي، لأن الوسيلة الثقافية تمثل الجسر الذي يمكن أن تعبر عليه أوزبكستان إلى العالم الإسلامي، ولعل إنشاء صندوق الإمام البخاري الدولي، الذي يعمل على افتتاح فروع له في شتى أنحاء العالم الإسلامي، والجامعة الإسلامية الحكومية في طشقند، والتوسع في تعليم اللغة العربية في المدارس والجامعات خير دليل على توظيف الوسيلة الثقافية في السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان·
السياسة الأوزبكستانية مع جمهوريات رابطة الدول المستقلة: اتسعت سياسة أوزبكستان الخارجية بعد الاستقلال وتعددت أبعادها· وتقيم جمهورية أوزبكستان اليوم علاقات دبلوماسية مع أكثر من 120 دولة من دول العالم، وتقيم في عاصمتها طشقند حوالي 40 سفارة معتمدة من بينها خمس سفارات عربية، وممثليات لأكثر من 25 منظمة دولية حكومية، و13 منظمة غير حكومية، بعد أن أصبحت عضوا كامل الأهلية في جميع المنظمات العالمية السياسية والاقتصادية تقريباً· وقد حرصت أوزبكستان منذ استقلالها على تنويع شركائها من خلال علاقاتها الدولية·
ويعتبر الخط الذي يربط أوزبكستان بشركائها التقليديين، من الخطوط الرئيسية لسياستها الخارجية· وهو خط العلاقات مع جمهوريات رابطة الدول المستقلة، وخاصة العلاقة مع الاتحاد الروسي وجمهوريات آسيا المركزية، حماية لمصالحها الوطنية في علاقاتها مع تلك الدول التي تشكل نسبة التجارة معها 85 في المائة من حجم تجارتها الخارجية· وكانت جمهورية أوزبكستان قد دخلت في عضوية رابطة الدول المستقلة بموجب اتفاق ألماً أتا الذي وقع في 21/12/1991، وانضمت لاتفاقية الأمن الجماعي التي جرى توقيعها بطشقند في 15/5/1992، وضمت إضافة لأوزبكستان كلاً من روسيا، وقازاقستان، وقرغيزستان، وطاجكستان، وأرمينيا، وهي الاتفاقية التي تمنع الدول المشاركة فيها من الدخول في أية تحالفات عسكرية أو تجمعات موجهة ضد الدول المشاركة في الاتفاقية، ومسؤولية الدول الموقعة على الاتفاقية جماعياً عن حماية أمن وحدود الدول المشاركة فيها·
ويرى الدكتور محمد السيد سليم مدير مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة أن أوزبكستان حرصت دائماً على أ ن لا تتحول الرابطة إلى مؤسسة فوق القومية تنتقص من سيادة الدول الأعضاء فيها، لهذا استشهد برفض الرئيس كريموف الانضمام إلى المعاهدة التي ضمت الجمهوريات الأربع روسيا، وقازاقستان، وقرغيزستان، وروسيا البيضاء، معتبراً إياها محاولة لإحياء الاتحاد السوفييتي السابق، وعزل دول المعاهدة عن الاقتصاد العالمي· وفي المؤتمر الذي انعقد في طشقند في كانون أول/يناير 1993 أعلن مشروع إنشاء منظمة آسيا المركزية، كما ودعت أوزبكستان إلى إنشاء اتحاد آسيوي أوروبي يضم في عضويته كلاً من الصين وتركيا وجمهوريات آسيا المركزية وأوروبا ليحل مكان رابطة الدول المستقلة·
وتعطي أوزبكستان جمهوريات آسيا المركزية أفضلية خاصة في سياستها الخارجية، وتحرص على التكامل معها اقتصاديا وتتعاون معها عسكرياً· ولهذا من المهم أن نشير إلى حقيقة مهمة وهي أن الرئيس كريموف لا يرى في آسيا المركزية منطقة ثقافية أو عرقية واحدة في إطار المفهوم الإقليمي السابق الذي كانت تعرف فيه بتركستان، بل على العكس يرى فيها مساحة جغرافية تتعايش فيها مجموعة من الدول المستقلة على أساس من المنافع المتبادلة والمصالح المشتركة· وكان قد أشار الصحفي العربي المقيم في موسكو د· سامي عمارة إلى أن موقف أوزبكستان من دول آسيا المركزية كان واضحاً خلال اجتماع رؤساء جمهوريات آسيا المركزية الخمس الذي انعقد في طشقند خلال كانون الثاني/يناير 1993، حيث قرر الرؤساء الخمسة إنشاء تعاون إقليمي باسم منظمة آسيا المركزية، من خلال إقامة سوق اقتصادية مشتركة، ونظام ضريبي موحد، وساحة إعلامية مشتركة، ونظام أمن دفاعي لكل الأعضاء·
واستمرت لقاءات التنسيق والتعاون بين دول المنطقة بعد ذلك، وفي لقاء بيشكيك عاصمة قرغيزستان الذي جرى في نيسان/ابريل 1994 وضم رؤساء جمهوريات أوزبكستان وقرغيزستان وقازاقستان، وقعت الدول الثلاث على اتفاقية لبناء مجال اقتصادي موحد، وتشكيل مجلس مشترك للإشراف عليه· إضافة للتعاون العسكري بين الدول الثلاث التي أنشأت من أجله مجلس وزراء الدفاع الذي أسندت له مهمة وضع مقترحات محددة للتعاون العسكري والأمن الإقليمي بين الدول الثلاث· واتفقت الدول الثلاث كذلك على تنسيق أنشطتها في ميادين الأمن الوطني لكل منها، والأمن الجماعي في إطار رابطة الدول المستقلة، وبناء نظام أمني بين أوروبا وآسيا المركزية بالتنسيق مع مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، وخلق نظام آسيوي للأمن يعتمد على بناء الثقة، ونظام عالمي للأمن في إطار منظمة الأمم المتحدة· ووقعت الدول الثلاث في كانون أول/ديسمبر 1995 كذلك اتفاقا لإنشاء قيادة مشتركة لحفظ الأمن والسلام بين الدول الثلاث تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة· ومن الواضح أن أوزبكستان تنظر إلى ترتيبات الأمن من عدة مستويات تبدأ من الأمن الوطني وتمتد حتى بناء الأمن الجماعي العالمي· وأثبتت الأحداث التي جرت في جنوب قرغيزستان في صيف عام 1999 صحة وصواب وبعد نظر القيادة الأوزبكستانية في موضوع التعاون الأمني المتبادل بين دول المنطقة، لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية على السواء· وتشمل سياسة أوزبكستان للتعاون الإقليمي في آسيا المركزية، التعاون لمواجهة المشكلات البيئية التي تواجهها مجتمعة، ومن الأمثلة على ذلك مشاركة أوزبكستان في الاجتماع الذي عقد بين قادة آسيا المركزية في قازاقستان خلال آذار/مارس 1993 لمناقشة مشكلة الكارثة البيئية في منطقة بحر الأورال، وأسفر الاجتماع عن تشكيل مجلس حكومي من ممثلي دول آسيا المركزية، ولجنة تنفيذية، وصندوق دولي لإنقاذ بحر الأورال الآخذة مياهه بالانحسار· وفي كانون الثاني/يناير 1994 عقد اجتماع ثان لنفس الغرض في نوقوس عاصمة جمهورية قره قلباقستان المتمتعة بالسيادة داخل جمهورية أوزبكستان، أقر خلاله برنامج من الإجراءات العملية لتحسين الوضع البيئي في منطقة حوض بحر الأورال خلال فترة تمتد ما بين 3 إلى 5 سنوات، روعيت فيه نواحي التطور الاجتماعي والاقتصادي· كما وصدر عن الاجتماع إعلان دول آسيا المركزية والمنظمات الدولية حول مشكلات تطوير حوض بحر الأورال· وإضافة لمشكلات الأمن المائي لدول المنطقة كمشكلة تدفق مياه الأنهار التي تعتمد عليها أوزبكستان في ري محاصيلها الزراعية الصيفية وخاصة القطن، والتي تنبع من الأراضي القرغيزية، وتوصلت الدولتان إلى اتفاق عام 1994 بعد مطالبة قرغيزستان بدفع ثمن للمياه التي تتدفق من أراضيها، ووافقت أوزبكستان نتيجة الاتفاق المذكور على تزويد قرغيزستان بالطاقة والكهرباء شتاء لقاء تدفق المياه إلى أوزبكستان خلال الصيف· وهذا جزء من المشكلة التي خلفها الاتحاد السوفييتي السابق وراءه لجمهوريات آسيا المركزية وتشترك كلها فيها بسبب التداخل في منابع ومجاري الأنهار وشبكات الري والسدود الكثيرة المقامة عليها·
واقع إستراتيجية السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان. // أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، 7 يناير 2002.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق