الجمعة، 18 سبتمبر، 2009

المصالح المشتركة في العلاقات العربية الأوزبكستانية 3 من 5

المصالح المشتركة في العلاقات العربية الأوزبكستانية




تأليف: أ.د. محمد البخاري: صحفي عربي مقيم في جمهورية أوزبكستان مستشار في العلاقات الدولية وأستاذ في كلية العلاقات الدولية والاقتصاد بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية

طشقند – 2002
السياسة الأوزبكستانية مع دول أوروبا الغربية وشمال أمريكا: حرصت أوزبكستان منذ استقلالها على تنويع علاقاتها الخارجية. لهذا اهتمت بتطوير علاقاتها مع دول التحالف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، واتحاد غرب أوروبا، للاستفادة من الدعم الاقتصادي والفني الذي تقدمه تلك الدول والمنظمات لمساعدة أوزبكستان خلال مرحلة التحول والاندماج بالاقتصاد العالمي. معتمدة في ذلك على ثقلها السياسي والاقتصادي والبشري في آسيا المركزية، المهم جداً في أية معادلات مستقبلية للمنطقة بآسرها.
ولعل هدف إبعاد خطر عودة "الحرب الباردة" وتوفير الأمن لأوروبا، بعد انهيار المنظومة الشيوعية. كان من وراء مساعي الدول الأوروبية منذ عام 1992 إلى ضم أكثر الدول المستقلة حديثاً عن الاتحاد السوفييتي السابق، إلى عضوية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وللمشاركة في برنامج "المشاركة من أجل السلام" في إطار حلف الأطلسي. وكان من بين تلك الدول، جمهوريات آسيا المركزية (أوزبكستان، قازاقستان وقرغيزستان وتركمانستان وطاجكستان) رغم بعدها الجغرافي الكبير عن أوروبا. وقد تكون تلك الخطوة من منطلق سد الفراغ في المنطقة والحيلولة دون عودة النظام الشيوعي إلى المنطقة، وخوفاً من مفاجآت قد تحصل على الواقع السياسي في منطقة هامة وحيوية في قلب القارة الآسيوية، أكثرية سكانها المطلقة من المسلمين، وكان لأجدادهم حتى نهاية القرن التاسع عشر تأثير يذكر على موازين العلاقات الدولية.
ولعل منطلق دول آسيا المركزية للانضمام للمنظمة الأوروبية، كان قبل كل شيء رغبة التمتع بالعضوية متساوية الحقوق في منظمة أوروبية ذات وزن عالمي، تساعد العضوية فيها على تسريع عملية اندماجها في المجتمع الدولي. بعد عزلة استمرت منذ بدايات الاحتلال الروسي للمنطقة في القرون الماضية، وازدادت حدة خلال سبعة عقود ونيف من الحكم السوفييتي الذي قسم تركستان الروسية خلال عشرينات القرن الحالي إلى ما نعرفه اليوم بجمهوريات آسيا المركزية، وتحقيق الأمن والاستقرار الذي تحتاجه تلك الدول للنهوض بخطط الإصلاحات الجذرية المستمرة فيها حتى اليوم.
ولكن الذي حدث بعد مرور أكثر سبع سنوات على انضمام تلك الدول للمنظمة الأوروبية، أن برزت تساؤلات عديدة أمام المسؤولين في تلك الدول، تحتاج لإجابات شافية، تقنع بمدى جدوى انضمام دول آسيا المركزية لهذه المنظمة الأوروبية، وعلى الخصوص ما تحقق لها بمساعدة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في مجال تعزيز الأمن والاستقرار في آسيا المركزية، والدول المجاورة لها. حيث يشير المراقبون في المنطقة إلى حقيقة هامة مفادها صعوبة إيجاد أية خطوات إيجابية قامت بها المنظمة الأوروبية في هذا المجال الحيوي لدول المنطقة.
مما دفع برئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف، أثناء استقباله للممثل الخاص لرئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ويلهلم هاينك في مقره بقصر أق ساراي بطشقند في حزيران/يونيو 1999 إلى طرح تلك التساؤلات. فأوزبكستان المتمتعة بأهمية إستراتيجية خاصة في المنطقة، بسكانها البالغ عددهم أكثر من 23 مليون نسمة، إضافة لثرواتها الطبيعية الكبيرة، والتقدم العلمي والتقني الذي وضعها في المركز الرابع بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الـ 15، انضمت إلى عضوية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا منذ سبع سنوات مضت. واتخذت المنظمة الأوروبية من عاصمتها طشقند مقراً لمكتبها الإقليمي بآسيا المركزية. وقطعت أشواطاً كبيرة لبناء أسس الديمقراطية في الدولة والمجتمع، وسعت دائماً للتكامل مع الدول الأوروبية، والتعاون معها استراتيجياً، ضمن إطار تلك المنظمة التي توليها أوزبكستان أهمية خاصة، وضمن الاتحاد الأوروبي المتحالفة معه استراتيجياً.
وقد أشار الرئيس الأوزبكستاني خلال ذلك اللقاء إلى حقيقة هامة، مفادها غياب مشاكل المنطقة عن وثائق المنظمة الأوروبية، التي لم تتعرض أبداً لمشاكل الأمن في آسيا المركزية. رغم مرور سبع سنوات على عضوية دولها في المنظمة الأوروبية، ولمس ذلك من خلال مشاركته في العديد من اللقاءات التي دعت إليها المنظمة الأوروبية. وتساءل عن الكيفية التي تم من خلالها الدفاع عن مصالح دول آسيا المركزية خلال تلك المدة. وعبر عن أسفه الشديد ! ؟ لإراقة الدماء المستمر في أفغانستان المجاورة لدول آسيا المركزية. ولاستمرار تهريب المخدرات والأسلحة في المنطقة بشكل واسع. إضافة لاستمرار العمليات العسكرية المقلقة في طاجكستان. ودعى المنظمة الأوروبية إلى المساهمة الجدية في حل تلك المشاكل الحيوية بالنسبة لدول آسيا المركزية، وعدم الاكتفاء بالدفاع عن أمن وتقدم أوروبا فقط، بل الدفاع عن مصالح كل الدول الأعضاء في المنظمة. وإفساح المجال أمام كل الدول الأعضاء في المنظمة بما فيها دول آسيا المركزية، للمشاركة في اتخاذ القرارات، انطلاقاً من المكانة الهامة التي تشغلها فيها.
وانتقد الرئيس كريموف كذلك مبدأ حصر المناصب القيادية في المنظمة الأوروبية بممثلي الدول الأوروبية فقط، واقترح إنشاء هيئة داخل المنظمة تعنى بمصالح دول آسيا المركزية. انطلاقاً من قناعته بأن أحادية الجانب تلك، معيقة لاتخاذ القرارات العادلة في إطار المنظمة. مشيراً إلى عدم تطابق معايير الدول الغربية دائماً مع معايير الدول الشرقية. مؤكداً على أن الإجراءات التي تتخذها المنظمة انطلاقاً من وجهة نظر المعايير الأوروبية فقط، قد تلحق الضرر بمصالح آسيا المركزية، خاصة وأن "لكل شعب مقدساته ولكل قومية معاييرها الخاصة".
ومن المعروف أن الأهداف التي قامت المنظمة الأوروبية من أجلها هي: شؤون الأمن، والاقتصاد، وحقوق الإنسان. ورغم ذلك وكما يلاحظ المراقبون، أن المنظمة ركزت اهتمامها في آسيا المركزية على حقوق الإنسان فقط، وتناست الأهداف الأخرى التي قامت من أجلها. مما دعى الرئيس كريموف مرة أخرى لانتقاد قيادة المنظمة التي تركز على حد تعبيره على حقوق الإنسان من خلال التقارير فقط، وقال: "إذا نحن أبدينا الاهتمام بالدفاع عن حقوق الإنسان، وتحسين حياة الناس، فنحن نفعل ذلك ليس من أجل تقارير المنظمة أو غيرها من المنظمات. لأن بناء المجتمع الديمقراطي العادل يعتبر هدفنا الرئيسي".
وعلى ما نعتقد أن الوضع بحاجة للتغيير، وهو ما انتظرته دول المنطقة وخاصة أوزبكستان من نتائج اجتماع المنظمة الذي انعقد بعد ذلك اللقاء في اسطنبول، رغم الوعد الذي قطعه ممثل الرئيس الحالي للمنظمة الأوروبية، خلال زيارته لأوزبكستان، بطرحها من خلال تقريره على قيادة المنظمة، تمهيداً لمناقشتها من كل الجوانب خلال الاجتماع المنتظر. تلك النتائج التي يمكن أن تعطي الرد الحاسم على الكثير من التساؤلات المطروحة، والتي يمكن أن تلقي الضوء على الوضع الحقيقي لعضوية دول آسيا المركزية في المنظمة، والدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمة الأوروبية في حل العديد من المشاكل المستعصية التي تواجه تلك الدول، على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
خاصة بعد بدء سريان اتفاقية الشراكة والتعاون الإستراتيجي بين جمهورية أوزبكستان والاتحاد الأوروبي، منذ مطلع تموز/يوليو 1999، والتي سبق ووقعها رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف أثناء لقاء رؤساء، ورؤساء حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بتاريخ 21/6/1996 في فلورنسا. واحتاج سريانها لعامين من الجهود والإجراءات المعقدة اللازمة لتصديقها من قبل برلمانات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن قبل البرلمان الأوروبي أيضاً.
وفسر المعلق السياسي لوكالة الأنباء الأوزبكستانية "جهان"، نظرة أوزبكستان من "الاتحاد الأوروبي بأنه يشغل اليوم المرتبة الأولى في العالم من حجم التجارة العالمية، ويعتبر من أضخم المصدرين في العالم للمواد الغذائية والمنتجات الصناعية".
ومن المعروف أن للاتحاد الأوروبي علاقات دبلوماسية مع أكثر من 130 دولة من دول العالم، إضافة لكونه عضو مراقب في منظمة الأمم المتحدة، ويشارك في لقاءات القمة للدول السبع المتقدمة في العالم، ممثلاً بشخصية رئيس الاتحاد الأوروبي، وأعضاءه الأربعة الكبار فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا العظمى، وإيطاليا.
وكانت العلاقات الدبلوماسية بين أوزبكستان والاتحاد الأوروبي، قد أقيمت رسمياً في خريف عام 1994، ورافقها افتتاح الممثلية الدبلوماسية الأوزبكستانية في بروكسيل.
كما يمكن اعتبار أوزبكستان اليوم، الشريك التجاري والاقتصادي المهم للاتحاد الأوروبي في آسيا المركزية. بعد زيادة حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان ودول الاتحاد الأوروبي إلى نحو 1 مليار و 592.6 مليون دولار أمريكي في عام 1998 والذي كان من المتوقع زيادته خلال عام 1999 بعد سريان اتفاقية الشراكة والتعاون الإستراتيجي بينهما.
ومن الحلقات الهامة في التعاون بين أوزبكستان والاتحاد الأوروبي، لجنة برنامج المساعدة التقنية للاتحاد الأوروبي (تاسيس)، . الذي يقدم الدعم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للإصلاحات التي تنفذها الحكومة الأوزبكستانية منذ الاستقلال، وتشمل مجالات ترشيد النظام القانوني، وتطوير شبكات الطاقة، والنقل، والاتصالات التلفزيونية، والزراعة والتصنيع الزراعي، والقطاع الخاص، وعملية الخصخصة، وإعداد وإعادة إعداد الكوادر، وفي تدعيم نظام الإدارة الحكومية. وتم منذ بداية تطبيق برنامج (تاسيس) في أوزبكستان في عام 1992 وحتى الآن، تمويل أكثر من 79 مشروعاً بمبلغ إجمالي بلغ 80 مليون دولار أمريكي.
ومن المعروف أيضاً الدور الهام الذي يلعبه برنامج الاتحاد الأوروبي "تراسيكا" الموجه نحو تطوير ممر للنقل البري يربط غرب وشرق أوروبا، عبر البحر الأسود، والقوقاز، وبحر قزوين بآسيا المركزية. ليفتح أمامها إمكانيات كبيرة بديلة وأكثر ثباتاً لكل الدول التي يمر داخل أراضيها ولا تملك منافذ على البحر، للخروج إلى شبكات طرق النقل الأوروبية والأسيوية، ويفتح أمامها الآفاق الجديدة واسعة لتوسيع قدراتها التصديرية، وتنشيط نشاطاتها التجارية الخارجية. وهنا لابد من الإشارة إلى الدور الهام والرئيسي لأوزبكستان في تنفيذ هذا المشروع من خلال كوادرها المدربة، والذي يعتبر من مشاريع القرن الحادي والعشرين.
ويعتبر سريان مفعول اتفاقية الشراكة والتعاون الإستراتيجي بين أوزبكستان والاتحاد الأوروبي، قبل كل شيء ترسيخاً للأساس القانوني والرسمي المنظم لعلاقات الشراكة والتعاون بين جمهورية أوزبكستان والاتحاد الأوروبي. ويعني أن العلاقات الأوزبكستانية مع الاتحاد الأوروبي قد حظيت بقاعدة قانونية صلبة، من خلال المبادئ الواضحة والمتفق عليها والتي يترتب عنها التزامات مشتركة ومتبادلة في العلاقات الدولية.
وقد اعتبر المحللون الأوزبكستانيون دخول اتفاقية الشراكة والتعاون الإستراتيجي حيز التنفيذ الفعلي، حدث هام في تاريخ أوزبكستان المستقلة، وهي تستعد لدخول القرن الحادي والعشرين. لأن الاتفاقية تبشر بفتح مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية بين أوزبكستان والاتحاد الأوروبي، لما ستوفره تلك الشراكة من فرص لنقل الخبرة الغنية للديمقراطية وإقامة اقتصاد السوق الحر، وانتقال التكنولوجيا الأوروبية المتطورة إليها، بفاعلية أكثر من أي وقت مضى، معلقين الآمال على أن تسهم الاتفاقية في إنجاح تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الجارية في أوزبكستان المستقلة دون المساس بسيادتها ومصالحها القومية.
ونصت الاتفاقية على التعاون الوثيق في المواضيع التي تمس احترام مبادئ الديمقراطية، والاحترام المتبادل، والدفاع عن حقوق الإنسان، وإقامة الإطارات اللازمة من أجل تطوير واستمرار الحوار السياسي، وخلق الظروف المناسبة لإقامة أجهزة جديدة للتعاون المشترك.
وبموجب الاتفاقية سيتم الحوار السياسي على مستوى الوزراء ضمن إطار مجلس التعاون القائم. والذي يدخل ضمن اختصاصاته دراسة القضايا المستجدة في إطار تنفيذ الاتفاقية، وغيرها من المسائل الثنائية والعالمية، التي تتمتع بأهمية مشتركة من وجهة نظر الجانبين حيال تطبيقها.
كما وسيتم تشكيل لجنة للتعاون المشترك، تضم ممثلين عن حكومة جمهورية أوزبكستان ومجلس الاتحاد الأوروبي، واللجنة الأوروبية (CEC)، وظيفتها متابعة تطبيق المهام الملقاة على عاتق المجلس القائم.
وأما فيما يتعلق بلجنة التعاون البرلماني، الذي نصت عليه المادة 83 من اتفاقية الشراكة والتعاون الإستراتيجي على إنشائه، فستكون عبارة عن ملتقى لتبادل الآراء بين أعضاء "عالي مجلس" (برلمان) جمهورية أوزبكستان والبرلمان الأوروبي.
وبهذا تصبح أوزبكستان أول دولة في آسيا المركزية ترتبط منذ تموز/يوليو 1999 باتفاقية شراكة وتعاون استراتيجي نافذة مع الاتحاد الأوروبي، تبشر بفتح الأفاق أمامها واسعة لدخول القرن الحادي والعشرين، بعلاقات متميزة مع الدول الصناعية المتقدمة الأعضاء في تلك المنظمة الهامة في الموازين الاقتصادية والسياسية الدولية.
ومن ضمن برنامج "المشاركة من أجل السلام" في إطار حلف شمال الأطلسي، شاركت أوزبكستان في بعض المناورات العسكرية للحلف. انطلاقا من نقطتي ارتكاز في السياسة الخارجية الأوزبكستانية، حددهما الرئيس كريموف، وهما: أن يصبح حلف شمال الأطلسي قوة تشيع الاستقرار ليس في القارة الأوروبية وحسب، بل وفي المنطقة الأوروبية الآسيوية الواسعة، ضمن معادلة التوازن والاستقرار؛ وتطابق وجهات النظر في السياسة الخارجية بين أوزبكستان، وحلف شمال الأطلسي اتجاه مشاكل الأمن الإقليمي والعالمي.
إضافة للدور الهام الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في تعزيز الإصلاحات الجارية في أوزبكستان، والذي عبر عنه الرئيس كريموف، بأن الولايات المتحدة الأمريكية، هي دولة عظمى أساسية في العالم، وتتمتع بقدرات سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية وفكرية هائلة، وتقدم مساهمة ضخمة لعملية تجديد وإصلاح المجتمع الأوزبكستاني، وجعله ديمقراطياً، وتعزيز استقلال وسيادة الجمهورية.
منظمة الأمم المتحدة في السياسة الخارجية الأوزبكستانية: انضمت أوزبكستان إلى عضوية منظمة الأمم المتحدة في آذار/مارس 1992، وحضر الرئيس كريموف أعمال الدورة الثامنة والأربعين للجمعية العمومية للمنظمة في أيلول/سبتمبر 1993. وألقى خلال الدورة ومن على منبر المنظمة كلمة حدد فيها ملامح السياسة الخارجية لجمهورية أوزبكستان. وكان ذلك الحدث المرة الأولى التي تظهر فيها جمهورية أوزبكستان على هذا المستوى القيادي الرفيع في منظمة الأمم المتحدة. والهدف من ذلك كما حدده الرئيس كريموف نفسه، أنه: "عندما نتحدث عن التكامل مع المجتمع الدولي، فإننا نقصد قبل كل شيء مساهمتنا في عمل منظمة الأمم المتحدة". وهي إشارة صريحة للأهمية التي توليها أوزبكستان لمنظمة الأمم المتحدة كإطار لتكاملها مع المجتمع الدولي. من خلال ما تتمتع به منظمة الأمم المتحدة من مقدرات ضخمة في عمليات دعم السلام العالمي.
وتأكيداً لهذا الخط استضافت أوزبكستان العديد من أنشطة الأمم المتحدة، ومنها المؤتمر الدولي لمشكلات الأمن في آسيا المركزية عام 1995، الذي نظمته الأمم المتحدة بمشاركة ممثلين عن 30 دولة. والمؤتمر الدولي لتسوية القضية الأفغانية عام 1999. وتتعاون أوزبكستان كذلك مع المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وغيرها من المنظمات.
ولأوزبكستان وجهة نظر خاصة فيما يتعلق بعملية إصلاح منظمة الأمم المتحدة. وفي هذا الصدد كان لأوزبكستان العديد من المقترحات، وأهمها: توسيع عضوية مجلس الأمن، بدخول دول جديدة دائمة العضوية؛ وتحديث بنية ونشاط الأمم المتحدة في مجال عمليات حفظ السلام.
السياسة الخارجية الأوزبكستانية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي: اتبعت أوزبكستان منذ استقلالها سياسة خاصة لتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية، في إطار عملية بناء اقتصاد سوق بأبعاد اجتماعية. واستنادا للقوانين الاستثمارية النافذة في الجمهورية، يحق للمستثمرين الأجانب الاستثمار داخل أراضي جمهورية أوزبكستان من خلال المشاركة في المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية، وشركات التضامن، والبنوك، وشركات التأمين، وغيرها من المشاريع مع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين في الجمهورية. كما ويحق للمستثمرين الأجانب إنشاء مؤسسات اقتصادية وإنتاجية، وشركات تضامن، وبنوك، ومشاريع أخرى يملكونها بالكامل.
ويحق للمستثمرين الأجانب شراء الممتلكات والأسهم والسندات وغيرها من الأوراق المالية. والحصول بشكل مستقل، أو بمشاركة أشخاص طبيعيين أو اعتباريين على حقوق الملكية، بما فيها تملك واستخدام وتأجير الأراضي، وتملك واستخدام الثروات الطبيعية.
ومشروعات الاستثمار الأجنبي في أوزبكستان وفقاً للقوانين النافذة، هي: تلك المشروعات التي يشكل الاستثمار الأجنبي فيها نسبة 10 % من رأس المال، ويحق لتلك المشروعات العمل وفق أي إطار تنظيمي وقانوني لا يتعارض والتشريعات المعمول بها في الجمهورية. ويمكن إقامة أي مشروع باستثمارات أجنبية، سواء عن طريق التأسيس، أو شراء المستثمر الأجنبي لحصة في مشروع قائم دون مشاركة أجنبية، أو شراع المشروع بالكامل، بما فيها المشروعات المعروضة للخصخصة.
ويخضع أي مشروع برأس مال أجنبي لإجراءات التسجيل المعمول بها، ويجوز تأسيس فروع أو وكالات تابعة، أو أقسام فرعية لأي مشروع استثماري أجنبي قائم خارج أوزبكستان. وللمستثمر الأجنبي الحق كذلك في التملك والاستخدام والتصرف في استثماراته، بما في ذلك إعادة الاستثمار، أو مزاولة العمليات التجارية داخل أو خارج جمهورية أوزبكستان.
والاستثمارات الأجنبية محمية من التأميم والمصادرة فيما عدا حالات الكوارث الطبيعية والنكبات والأوبئة، وتكون المصادرة في تلك الحالات بقرار من مجلس الوزراء. لقاء تعويض يتناسب وحجم الضرر الذي يتعرض له المستثمر الأجنبي. كما ويكفل القانون الأوزبكستاني للمستثمرين الأجانب حق إخراج أرباحهم أو أية أموال أخرى حصلوا عليها نتيجة لنشاطاتهم بالطرق القانونية إلى خارج الجمهورية وفق القواعد المتبعة. وحق استثمار تلك الأرباح أو الأموال مرة أخرى داخل أوزبكستان، واستخدامها بأية طريقة يراها المالك. ويجوز للمستثمرين الأجانب فتح حسابات لهم بأية عملة في البنوك الأوزبكستانية دون أية قيود. ويجوز لهم استخدام أموالهم المودعة في حساباتهم بالعملة المحلية لشراء عملات أجنبية من السوق المحلية وفق الأنظمة المرعية.
بينما ترك موضوع التأمين على الاستثمارات والمستثمرين الأجانب ضد المخاطر ليكون اختياريا. ووضع نظاماً لتأمين وحماية الاستثمارات الأجنبية في أوزبكستان، ويضم هذا النظام شركة التأمين الوطنية في جمهورية أوزبكستان، كمؤسسة رسمية تابعة للدولة، إضافة لشركات التأمين المشتركة بمشاركة من هيئات التأمين الأجنبية. وتنحصر مسؤولية شركات التأمين المشتركة في ضمان الاستثمارات الأجنبية بحدود الاتفاقيات الموقعة من قبل الطرفين.
وبشكل عام يكفل نظام التأمين في الجمهورية للمستثمرين الأجانب، التأمين ضد: مصادرة الممتلكات، أو أي إجراء قانوني أو إداري يؤدي إلى مصادرتها، أو فقدان السيطرة عليها وعلى الأرباح الناجمة عنها. عدا الإجراءات العامة غير التمييزية التي تتخذها الدولة لتنظيم النشاط الاقتصادي على أراضيها؛ والحروب والاضطرابات الداخلية؛ وتدخل السلطات الحكومية في العلاقات التعاقدية بين شركات التأمين والمستثمرين؛ وفرض السلطات الحكومية لأية قيود على تحويل العملات المحلية إلى العملات الأخرى، أو تحويلها إلى خارج البلاد؛ وفرض قوانين جديدة لها طابع تمييزي ضد جماعات معينة من المستثمرين.
كما ويقدم قانون الاستثمار الأجنبي في أوزبكستان مجموعة من التسهيلات والإعفاءات وفي مقدمتها: منح المؤسسات التي تزيد نسبة صادراتها عن 30 % من إنتاجها الإجمالي، إعفاءات ضريبية تصل إلى 50 % من الضرائب المطبقة حينه، وتسري هذه الإعفاءات على كل أشكال المؤسسات الوطنية والأجنبية والمشتركة؛ وإعفاء المؤسسات التي تدخل ضمن نطاق برنامج الدولة الاستثماري من الضرائب لمدة خمس سنوات؛ ومنح المؤسسات الأجنبية والمشتركة حق استيراد مستلزماتها الإنتاجية دون رسوم جمركية؛ وضمان مشاركة المؤسسات الاعتبارية الأجنبية في عملية الخصخصة، بما فيها الملكية العقارية؛ وتأمين حق استعمال الأراضي لفترة طويلة لتنفيذ المشروعات الاستثمارية عليها.
وتخضع النزاعات الناشئة بين المستثمرين الأجانب والهيئات الرسمية في أوزبكستان، لمحاكم جمهورية أوزبكستان، ما لم يرد نص مخالف في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الموقعة من قبل الحكومة الأوزبكستانية.
وأما النزاعات الناشئة بين المستثمرين الأجانب، وشركات الاستثمار الأجنبي، مع الشركات الأخرى والهيئات العامة والشخصيات الطبيعية والاعتبارية في جمهورية أوزبكستان، والنزاعات الناشئة نتيجة للنشاطات بين المستثمرين والمشروعات الاستثمارية الأجنبية فتخضع للمحاكم الاقتصادية في أوزبكستان، والتحكيم خارج أوزبكستان حسب اختيار أطراف النزاع.
ونتيجة لتلك الضمانات والتسهيلات والإعفاءات فقد تم إنشاء حوالي 2397 مشروعاً أجنبياً، وحوالي 80 مشروعاً مملوكاً للأجانب بشكل كامل حتى تشرين أول/أكتوبر 1996، شارك فيها مستثمرون أجانب من 70 دولة. وبلغ إجمالي حجمها الاستثماري 9 مليون دولار أمريكي في عام 1992، و 18 مليون دولار أمريكي عام 1993. وظفت بشكل رئيسي في مجالات الطاقة والتعدين والصناعات الكيماوية وصناعة الآلات والنسيج. وفي قطاع الاتصالات ومشروعات البنية الأساسية التي تميزت باستثمارات كبيرة كان من بينها العقد الذي وقعته عام 1995 الشركة الألمانية "سيمنس" لإقامة مشاريع مشتركة في مجال الاتصالات تزيد قيمتها عن 900 مليون دولار أمريكي. وحتى عام 1997 تم في أوزبكستان تسجيل 3061 مشروعاً برأس مال أجنبي.
إستراتيجية الأمن الإقليمي في السياسة الخارجية الأوزبكستانية: لا أظن أن أحداً قد يختلف معنا بأن الإنسانية قد عرفت منذ الأزل الخلافات والصراعات التي استخدمت فيها القوة المسلحة. إذ يطالعنا التاريخ بأن الحروب والصراعات عبر التاريخ الإنساني تفجرت بين القبائل والمدن والدول والتكتلات المختلفة، بسبب خلافات على الحدود أو السيطرة على الموارد البشرية والطبيعية. ومع تطور الإنسانية أصبحت الحروب والصراعات المسلحة تجري إضافة لذلك على أرضية الخلافات الدينية والثقافية والفكرية والعرقية والسيطرة الاقتصادية وغيرها من الأسباب. وتذكر صفحات التاريخ أيضاً كيف أهدرت الصراعات المسلحة حياة الكثيرين من البشر، إضافة للدمار والخراب والجوع والتشرد الذي خلفته للأحياء الذين بقوا بعد حسم تلك الصراعات.
ولم تزل الإنسانية تذكر نتائج الحربين المدمرتين العالميتين الأولى والثانية اللتان أبرزتا الحاجة الماسة لتجنيب الإنسانية الصراعات المسلحة مهما كانت أسبابها، خاصة مع ظهور الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل الحديثة الفتاكة الأخرى التي أصبحت الصراعات المسلحة معها أكثر تهديداً للمجتمع الإنساني. وهو ما أثار انتباه المجتمع الدولي ودعاه إلى اتخاذ إجراءات إضافية كفيلة بالحفاظ على الأمن والسلام على كوكب الأرض منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة. وقد نصت المادة 33 من الفصل السادس لنظام منظمة الأمم المتحدة على "حل المنازعات بالطرق السلمية"، عن طريق التفاوض، والتحكيم، واللجوء إلى المحاكم الدولية، والمنظمات الإقليمية، والاتفاقيات الدولية وغيرها من الوسائل التي تراها الدول ناجعة لحل الخلافات بالطرق السلمية، قبل اللجوء إلى استخدام القوة المدمرة.
وبغض النظر عن فهم وإدراك أولئك الذين يلجأون إلى الحلول العسكرية، لأخطار تلك السبل التي تستخدم فيها القوة العسكرية لحل الصراعات والخلافات والمنازعات، على السلام والأمن والاستقرار في عالمنا المعاصر، فإننا نرى أن أكثر الجهود التي بذلت لتجنيب الإنسانية خطر الصراعات والحروب خلال النصف الثاني من القرن العشرين لم تؤد إلى نتائج ملموسة. إذ نرى أنه بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة اشتعلت بعض تلك الحروب الإقليمية في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط والكثير من الأماكن على الكرة الأرضية. وحتى أن الحرب التي سميت بـ "الحرب الباردة" بين الكتلتين الشرقية والغربية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وضعت العالم كله في وضع من الصراع والقلق الشديد وحالة من عدم الاستقرار لفترة طويلة. ويكفي أن نذكر أنه خلال الفترة الممتدة من عام 1945 وحتى عام 1992 فقط جرى أكثر من 100 صراع مسلح رئيسي في أنحاء مختلفة من العالم أدت بحياة أكثر من 20 مليون إنسان.
ومع انتهاء "الحرب الباردة" ظهرت تكهنات متفائلة في البداية تبشر بدخول المجتمع الدولي عصر جديد خال من الصراعات ومبني على التوازن الإيجابي بين دول العالم المختلفة، ولاح في الأفق بدلاً عن ذلك، بعد اختفاء الصراع الأيديولوجي بين الدولتين العظميين آنذاك، طيف الصراعات الإقليمية والحدودية والدينية والقومية والعرقية، التي قد يسبب التعامل معها نشوء تهديدات تنبئ بحرب عالمية ثالثة، وأثبتته الأحداث الأخيرة التي جرت في سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية.
وضاعت الآمال التي علقتها البشرية على عالم هادئ متوازن تحترم فيه الحقوق، وتؤدي فيه الدول الواجبات حيال الإنسانية جمعاء. ووجدت جملة من الصراعات المسلحة والحروب المحلية والإقليمية أسباباً للاستمرار والانتشار حتى بعد انتهاء "الحرب الباردة"، ومنها الصراع الهندي الباكستاني حول "جامو وكشمير"، ذلك الصراع الذي أصبح يبشر بحرب نووية مدمرة بعد أن امتلكت تلك الدولتين ذلك السلاح المدمر الرهيب. إضافة للحرب الأهلية الدائرة في أفغانستان حتى الآن، والتي هددت منذ البداية بالانتشار إلى دول الجوار، وأصبحت تهدد بحرب عالمية ثالثة بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية. والحرب الإرترية اليمنية حول "بعض الجزر التي تتحكم بمدخل البحر الأحمر عند مضيق باب المندب"، والحرب الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا. والحروب الأهلية في جنوب السودان، والصومال. وحروب الاستقلال في يوغسلافيا السابقة. والحرب الأذربيجانية الأرمينية حول منطقة "ناغورني قره باغ (الجبل السود)"، والحرب الشيشانية، والوضع غير المستقر في أبخازيا، وحرب تحرير الكويت المستمرة آثارها لأكثر من عقد من الزمن، وحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من نصف قرن مضى ضمن ما يعرف بأزمة الشرق الأوسط المستعصية الحل رغم الجهود الكبيرة الإقليمية والدولية لحلها، وغيرها الكثير من الصراعات المسلحة هنا وهناك في أنحاء مختلفة من العالم المعاصر.
والصراعات المسلحة الحديثة أصبحت واحدة من الحقائق البارزة للوضع المتردي وغير المستقر على الكرة الأرضية. الوضع الذي يزداد التحكم به صعوبة يوماً بعد يوم، خاصة بعد أن أصبحت تلك الصراعات تميل بشكل مضطرد نحو التطور والاتساع، وتورط أطراف أخرى فيها، وهو ما يهدد أمن واستقرار ليس الأطراف المتورطة بتلك الصراعات وحسب، بل وتهدد أمن واستقرار العالم بأجمعه. وهي الحقيقة التي أصبحت ماثلة للعيان بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة المؤلمة التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية.
وخطر تلك الصراعات الحديثة والمستمرة منذ القرن الفائت لابد وأن يدعوا قادة العالم في القرن الحادي والعشرين للتكتل والبحث عن طرق عملية أكثر فاعلية ووسائل وبدائل لحل تلك الصراعات ووقفها دون استخدام العنف والقوة المسلحة المدمرة. خاصة وأن آلية حل تلك الصراعات اليوم تمتع بأهمية بالغة في ظروف العولمة والتطور العلمي والتقني وهي كلها حقائق هامة تدعو المجتمع الدولي للعمل بحسم للمحافظة على الأمن والسلام وإن لم نبالغ الحفاظ على الحضارة الإنسانية بأسرها.
ويلاحظ من تحليل الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية، أن تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بين جمهورية أوزبكستان والدول العربية والإسلامية كان من أهم أولويات السياسة الخارجية للجمهورية الفتية منذ استقلالها عام 1991 وحتى الآن. وخضع هذا التوجه لاعتبارات جوهرية، من أهمها الأوضاع التي واجهتها الجمهورية الفتية منذ باكورة استقلالها عن الاتحاد السوفييتي السابق، وعبرت عن نفسها بجملة من المشاكل الملحة التي تقف في طليعتها مشكلة البحث عن طرق لخلق وتعزيز وتطوير الاقتصاد القومي، والتغلب على الصعاب التي خلفها وراءه الاستغلال الاستعماري الطويل للدول النامية، وهو ما يتطلب إقامة علاقات ثنائية وجماعية واسعة مع مختلف دول العالم تضع ضمن أولوياتها المسائل الأمنية لجميع الأطراف. ومن دون شك يعتبر تطوير وتوسيع مجالات التعاون الثنائي بين جمهورية أوزبكستان والدول العربية والإسلامية كل على حدى، والجماعي عبر المنظمات الإقليمية (جامعة الدول العربية، مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الاتحاد المغاربي والاتحاد الاقتصادي لجمهوريات آسيا المركزية، وغيرها) والدولية (منظمة الأمم المتحدة وهيأتها المتخصصة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها) لابد وأن يعزز ويقوي مركز جمهورية أوزبكستان في المجتمع الدولي.
ويعتبر ذلك من الأهمية البالغة ليس لتطور أوزبكستان وحدها في المرحلة الراهنة بل ولتطور منطقة آسيا المركزية برمتها، وهي تعمل جاهدة من أجل حل الكثير من المسائل الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية الهامة جداً، خلال المرحلة الانتقالية من مرحلة الأنظمة الشمولية الاستعمارية إلى مستقبل التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديمقراطي والمستقل في آسيا المركزية برمتها. وهنا لابد أن نشير إلى حقيقة هامة تنبأ بها المحللون السياسيون في المنطقة وهي أن الكثير من الدول العربية والإسلامية يمكنها التحكم بالكثير من أذرع القيادة التي يمكن من خلالها التأثير بفاعلية على تطور الأحداث في مواقع الصراعات التي تحيط بآسيا المركزية، وتقديم مسببات دفع عملية التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي الوطني في المنطقة بشكل عام، إضافة لتعزيز الأمن والاستقرار الذي تحتاجه المنطقة لتحقيق خطط التنمية المستقبلية الطموحة.
ومن هذا المنطلق نطالع في الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية منذ الاستقلال وحتى اليوم، تأكيدها المستمر على ضرورة تعزيز الأمن الإقليمي، ومطالبتها الدائمة بعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى ووقف تلك الصراعات تمهيداً لحلها بالطرق السلمية عبر التفاوض. ونرى أن هذا الموقف ثابت وتعتبره القيادة السياسية الأوزبكستانية من أولويات سياستها الخارجية منذ الاستقلال قبل عقد من الزمن وحتى الآن.
وبالفعل نرى أن القيادة الأوزبكستانية قامت بوضع تصور خاص يمكنها من خلاله المساهمة الإيجابية في حل تلك الصراعات. إذ قام الرئيس الأوزبكستاني إسلام كريموف أكثر من مرة، ومن على المنابر الدولية بلفت انتباه المجتمع الدولي لأخطار الصراعات الإقليمية ليس على الأمن والاستقرار في آسيا المركزية وحدها، بل وعلى الأمن والاستقرار في العالم أجمع. وأثار الانتباه أكثر من مرة إلى النتائج الوخيمة لتلك الصراعات على الإنسانية جمعاء. ولم تكتف القيادة الأوزبكستانية بهذا، بل راحت أبعد من ذلك بالتعبير عن رغبتها واستعدادها للمشاركة في الجهود الدولية، وجهود الدول المعنية من أجل إيجاد حلول لتلك الصراعات بالطرق السلمية، وهو ما يؤكده الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية في أكثر من مناسبة على أن أوزبكستان ستبذل كل الجهود وستستخدم كل الإمكانيات المتاحة لها، في إطار السياسة الحكومية، وفي إطار استخدام آليات العمل في المؤسسات الدولية، وستساند دائماً كل الجهود والخطوات العملية التي ستوجه نحو حل المشاكل وتجنب الصراعات السياسية والعسكرية في الدول المجاورة لأوزبكستان بالطرق السلمية. وهو ما يعتبره الرئيس إسلام كريموف جوهراً للسياسة الخارجية لحكومته، وأحد المسارات الرئيسية لإستراتيجية الأمن القومي لأوزبكستان.
كما ويتضح مدى تركيز الخطاب السياسي للرئيس الأوزبكستاني، على أن أوزبكستان هي جزءاً من المنطقة التي تتعارض وتتصالب فيها المصالح الروسية والصينية والهندية، ومصالح الدول الكبرى الأخرى كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وغيرها في الشرق والغرب على حد سواء، فهي عملياً تقع عند ملتقى مراكز تشكل القوى الأوروبية والآسيوية. وهذه الميزة ومن دون أدنى شك تحدد ملامح طريق جمهورية أوزبكستان في القرن الحادي والعشرين، وما ينتظر أراضيها، وأراضي الدول المجاورة لها والتي ستبقى هدفاً من أهداف المصالح الحيوية للدول المتقدمة، وبعض الدول القوية في آسيا، والدول القوية في العالمين العربي والإسلامي كالمملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان وإيران ، وهو ما أثبتته الأحداث الجارية في الوقت الراهن.
ونعتقد أنه من المفيد جداً تطوير التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي والثقافي بين الدول المستقلة الجديدة في آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان، والدول العربية وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وسورية والجزائر وغيرها من الدول العربية والإسلامية، وهو أمر تفرضه المصالح الوطنية العليا لكل الأطراف. وتدعوا تلك المصالح بالدرجة الأولى إلى ضرورة تسريع الجهود بين تلك الدول في المستقبل القريب لخلق نوع من التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني في عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي والمعلوماتي. وهنا تنبع أهمية تعزيز وتنويع العلاقات بين الدول المستقلة الجديدة والدول العربية والإسلامية التي يفرضها الموقع الهام الذي تشغله الدول العربية والإسلامية، ودول آسيا المركزية ضمن خارطة النفوذ في عالم اليوم.
إذ يعتبر الخطاب السياسي للحكومة الأوزبكستانية أن الأجيال القادمة لن تغفر للجيل الحالي الأسباب والخلفيات التي سببت إشعال نيران الحروب واستخدام العنف المسلح. وأن التاريخ سيصدر حكمه دون أن يفصل بين بذور المشاكل والصراعات عن قشرها ولن تقبل تلك الأجيال أية تبريرات للعجرفة والتعنت الفردي لأي من القادة السياسيين، الذين يستخدمون مصالح الشعوب كغطاء لأهداف ومصالح شخصية ضيقة"
وكما هو واضح في أدبيات الخطاب السياسي للحكومة الأوزبكستانية، فإن القيادة السياسية الأوزبكستانية لم تقف عند تحديد أطر الإستراتيجية القومية للتعامل مع الصراعات الإقليمية ومحاولة الإسهام في حلها وحسب، بل وساهمت في تقديم اقتراحات محددة تساعد على حلها، انطلاقاً من قناعتها بأن عملية تحقيق السلام والاستقرار لابد وأن تكون عبر العناصر التالية المتلازمة مع بعضها البعض، وهي: أن حل أي صراع يتم بالتدريج وعلى مراحل؛ وأنه يجب مشاركة كافة الجهات المعنية بالصراع في المحادثات الخاصة بحل الصراع؛ وأنه لابد من قيام الجهات المعنية بالصراع بتقديم تنازلات متبادلة وحلول وسط معقولة؛ وأنه لابد من رعاية ومشاركة منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الدولية في عملية إنهاء الصراع؛ وأنه لابد من الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي كل جهة من الجهات المتورطة في الصراع؛ مع ضرورة عدم السماح بتوجيه أية ضغوط من أي نوع على الأطراف المتورطة في الصراع، أو أي تدخل خارجي في الصراع؛ وأنه لابد من فرض حصار صارم على توريد السلاح والمعدات العسكرية إلى مناطق الصراع.
ولكن الواقع ومع الأسف الشديد أثبت أن الصراعات الإقليمية قد ذهبت بعيداً جداً، حتى أنه أصبح من الصعب حلها داخلياً، بسبب المصالح الأنانية الضيقة للقوى المتورطة في تلك الصراعات، وبات من الضروري مشاركة المجتمع الدولي، والمنظمات الدولية، عملياً وبفاعلية من أجل حلها والتأثير على الجهات المعنية بالصراع من خلال استخدام النفوذ، والوسائل الاقتصادية، وإن احتاج الأمر استخدام القوة لحفظ الأمن والسلام في مناطق الصراع.
ولما كانت جمهورية أوزبكستان من الدول المجاورة لأفغانستان، وتقع في دائرة تهديدات الصراع الدائر على الأراضي الأفغانية، ومن بينها طبعاً خطر انتقال الصراع الدائر على الأرض الأفغانية إلى الأراضي المجاورة ومن ضمنها أوزبكستان، وهو ما حدث فعلاً في عام 1999 وصيف عام 2000، عندما تسللت عناصر مسلحة من الدول المجاورة إلى الأراضي الأوزبكستانية والقرغيزية، فإننا نرى أنها تنظر بحذر شديد إلى تطور الأوضاع غير المستقرة في الجمهورية الأفغانية الإسلامية المجاورة.
ودفعت تلك التخوفات من امتداد وانتشار الصراع بالحكومة الأوزبكستانية للتعبير صراحة عن مصلحتها في إيجاد الحلول للصراع الدائر على الأرض الأفغانية بشكل عاجل وبالطرق السلمية والدبلوماسية. واعتبرت أن القضية الأفغانية مرتبطة بشكل مباشر بأمن القوميات المتعددة التي تسكن المنطقة. واعتبرت أن الأمن والاستقرار في المنطقة مرتبط بشكل مباشر بمكافحة انتشار الإرهاب والعنف المسلح. خاصة وأن للقضية الأفغانية تأثير مباشر ليس على الأحداث الدائرة داخل أفغانستان وحدها، بل وعلى الأمن والاستقرار في المنطقة كلها. وانطلاقاً من تلك الأسباب فإن القيادة الأوزبكستانية اعتبرت في خطابها السياسي أن الكثير من عناصر الصراع الدائر في أفغانستان هي من بين العناصر الكثيرة الأكثر تهديداً وتأثيراً على الاستقرار والأمن الإقليمي والعالمي على السواء.
وهي الأوضاع التي دفعت على ما أعتقد بالحكومة الأوزبكستانية لتقديم مقترحات محددة ومركزة وموجهة بدقة نحو تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لحل القضية الأفغانية بالطرق السلمية وحدها، تجنباً لأخطار مضاعفات حلها عن طريق استخدام القوة المسلحة. ومن عام 1993 والحكومة الأوزبكستانية وكما هو واضح في الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية عاكفة على تقديم المبادرات السلمية الواحدة تلو الأخرى لحل القضية الأفغانية، إضافة لسعيها الدائم للفت أنظار المجتمع الدولي إلى جوهر الصراع الدائر هناك وتهديداته للأمن والاستقرار والسلام الإقليمي والعالمي، على اعتبار أن المشكلة في النهاية هي مشكلة عالمية ومن واجب المجتمع الدولي إيجاد الحلول الصائبة لها.
وكان الرئيس إسلام كريموف قد تناول القضية الأفغانية للمرة الأولى في عام 1993، من على منبر الدورة 48 للهيئة العامة للأمم المتحدة. وركز عندها على ضرورة اهتمام المجتمع الدولي بالقضية الأفغانية، وبالنتيجة شكلت لجنة خاصة بالقضية الأفغانية في إطار منظمة الأمم المتحدة في عام 1994.
وفي سبتمبر/أيلول 1995 عاد الرئيس كريموف وأكد في كلمته أمام ندوة "الأمن والتعاون في آسيا المركزية" التي عقدت في طشقند، على موضوع تلازم الأمن والاستقرار في منطقة آسيا المركزية والأوضاع القائمة في أفغانستان. وفي أكتوبر/تشرين أول 1995 ومن على منبر الدورة 50 للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة، عاد الرئيس الأوزبكستاني وقدم مبادرة تضمنت عدة اقتراحات لحل القضية الأفغانية، ومن بينها اقتراحه بفرض حصار على توريد السلاح للأطراف المشاركة في الصراع. كان من نتيجته أن أصدر البرلمان الأوروبي في مطلع عام 1996 قراراً يدعو فيه إلى وقف أي تدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان، وفرض حصار على توريد الأسلحة إلى منطقة الصراع. وفي صيف نفس العام قامت الولايات المتحدة من جهة واحدة بإعلان فرض حصار على توريد السلاح إلى أفغانستان.
وبعد ذلك وفي إطار لقاء القمة لقادة ورؤساء حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذي انعقد في فلورنسا وشاركت فيه أوزبكستان، نبه الرئيس كريموف إلى ضرورة تنشيط جهود الاتحاد الأوروبي من أجل حل القضية الأفغانية. وفي يونيو/حزيران 1996 وأثناء الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس كريموف للولايات المتحدة الأمريكية، بحث مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مختلف القضايا الملحة بما فيها مواضيع الأمن الإقليمي والدولي. وفي نوفمبر/تشرين ثاني وأثناء الزيارة الرسمية للمملكة البلجيكية بحث الرئيس كريموف مع المسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي الأوضاع الراهنة في أفغانستان.
ونتيجة للجهود التي قامت بها القيادة الأوزبكستانية، وخاصة الرئيس كريموف من أجل الحصول على دعم وتأييد وتفهم المجتمع الدولي وحكومات الدول المجاورة لأفغانستان، ومنظمة الأمم المتحدة لجوهر الصراع، وعلى ما يبدوا أنها أفلحت في لفت الأنظار وتركيز جهود المجتمع الدولي لإيجاد حلول عاجلة للقضية الأفغانية، كان إصدار بعض المنظمات الدولية المختلفة في نهاية عام 1996 جملة من الوثائق المتعلقة بحل القضية الأفغانية نتيجة للمبادرات الأوزبكستانية. ومن بين تلك الوثائق، الوثيقة التي صدرت في العاصمة البرتغالية لشبونة من قبل قادة الدول الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون الأوروبية التي انعقدت خلال الفترة من 3 إلى 4/12/1996، حيث أدخلت فيها فقرة خاصة تتحدث عن تنشيط الجهود لدعم الاستقرار ومنع الصراعات في منطقة آسيا المركزية، وإصدار وثيقة العاصمة النمساوية فيينا في 13/12/1996 التي تحدثت عن منع توريد السلاح، والمعدات العسكرية لأفغانستان، وإصدار مجلس وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي لوثيقة خاصة حدد فيها "موقف عام" يتعلق بموضوع توريد الأسلحة لأفغانستان.
وهو ما شجع الرئيس الأوزبكستاني على متابعة جهوده السلمية تلك حيث أشار في كلمته أثناء الاجتماع الطارئ لقادة الدول الأعضاء في منظمة الإيكو في 13/5/1997 إلى تأثير عامل التكامل الاقتصادي في إطار الدول الأعضاء على قضايا "النقاط الساخنة" في المنطقة. وفي سبتمبر/أيلول 1997 عاد الرئيس الأوزبكستاني وأكد مرة أخرى أمام المشاركين في الندوة الدولية التي عقدت في العاصمة الأوزبكستانية طشقند حول "إعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة الذرية" وشاركت فيها بعض الدول العربية والإسلامية، على فكرة إقامة منطقة خالية من السلاح الذري في آسيا المركزية، من ضمن الجهود المبذولة من أجل توفير الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها. وفي نفس الوقت تقريباً قدمت الحكومة الأوزبكستانية مبادرة اقترحت فيها تشكيل لجنة اتصال دولية تشارك فيها أفغانستان والدول الست المجاورة لها، وهي الصين وطاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران وباكستان بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أطلق عليها اسم مجموعة "6+2" لحل القضية الأفغانية. وعقدت المجموعة أولى جلستيها بمشاركة الممثلين الدائمين في المجموعة "6+2"، ولقاء وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجموعة "6+2" لحل القضية الأفغانية، في نيويورك بتاريخ 16/10/1997، و21/9/1998، و14/1/1999، وصدر في أعقابه وثيقة "نقاط التفاهم العامة" لحل القضية الأفغانية.
واثر أحداث التفجيرات الإرهابية الأليمة التي تعرضت لها طشقند واستهدفت حياة الرئيس إسلام كريموف وكبار المسؤولين في الإدارة الحكومية الأوزبكستانية، في فبراير/شباط 1999، وراح ضحيتها العشرات من المواطنين الأبرياء، وأثناء الاجتماع الذي عقدته اللجنة المشتركة لأوزبكستان والولايات المتحدة الأمريكية، في مايو/أيار 1999 بطشقند تم التوقيع على وثيقة مشتركة لمكافحة الإرهاب.
وكان من بين المبادرات الإيجابية التي قدمها الرئيس الأوزبكستاني لحل القضية الأفغانية، مبادرة عام 1997، التي دعى فيها إلى إنشاء مجموعة للتنسيق تضم الدول الست المحيطة بأفغانستان، بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والتي عرفت باسم مجموعة " 6+2 ". وبالفعل عقدت المجموعة أولى جلساتها في نيويورك في 16/10/1997. وتوجت اللقاءات، باللقاء الذي عقدته المجموعة في العاصمة الأوزبكستانية طشقند في يونيو/حزيران 1999 على مستوى نواب وزراء خارجية دول مجموعة "6+2" لحل القضية الأفغانية، وبمشاركة الأخضر الإبراهيمي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وممثلين عن الأطراف المتصارعة على الأرض الأفغانية. ضمن الجهود الدولية لحل الأزمة المستعصية، وقد أشار الأخضر الإبراهيمي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، في المؤتمر الصحفي الذي عقده إثر التوقيع على بيان طشقند للمبادئ الأساسية لحل القضية الأفغانية، إلى الأهمية الخاصة للقاء طشقند الذي شارك فيه وللمرة الأولى ممثلين عن الجهتين الرئيسيتين المعنيتين في الصراع الدامي الجاري على الأرض الأفغانية، وهي: حركة "طاليبان"، والجبهة المتحدة. معتبراً بيان طشقند خطوة هامة على طريق إحلال السلام في أفغانستان. وقال: أن البيان جاء نتيجة لجهود طويلة قامت بها المجموعة في البحث عن المبادئ الأساسية لإحلال السلام على الأرض الأفغانية. تمكنت من خلالها مجموعة "6+2" من توحيد مواقف المشاركين فيها، ولو أنها لا تعتبر الهدف الأخير، فهي أساس لمتابعة المفاوضات بين أعضاء مجموعة "6+2"، وبين الأطراف المتنازعة على الأرض الأفغانية، حركة "طاليبان"، والجبهة المتحدة، اللتان أكد ممثليهما في المؤتمر الصحفي الذي عقد في طشقند عن استعدادهما لمتابعة المفاوضات. وهو ما لم يحدث وتراوحت المواقف الأمريكية والروسية آنذاك من البيان الذي وقعتاه إلى جانب ممثلي حكومات الصين، وإيران، وباكستان، وطاجكستان، وأوزبكستان، وكمراقب ممثل منظمة الأمم المتحدة، بين التفاؤل والحذر. فقد اعتبر رئيس الوفد الأمريكي كارل إندرفورس آنذاك، في تصريح له لمراسل وكالة الأنباء الأوزبكستانية الرسمية، بأن لقاء طشقند يعتبر أكبر ملتقى دولي لحل القضية الأفغانية، هدفه جمع الأطراف المتصارعة خلف مائدة المفاوضات أولاً (وهو ما حدث فعلاً في طشقند)، وتهيئة السبل لتشكيل حكومة وحدة وطنية في أفغانستان.
بينما جاء الموقف الروسي على لسان نائب وزير الخارجية فاسيلي سريدين، الذي اعتبر الأوضاع في أفغانستان متفجرة للغاية، ودعى لاتخاذ إجراءات لمنع تطور الأحداث فيها إلى صدام مسلح. وقال: أن على الأطراف الأفغانية الآن أن تأخذ في حسابها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد الجهود التي بذلتها مجوعة 6+2 لتحديد المواقف.
ولكن الرد الحقيقي على كل التساؤلات التي كان من الصعب التنبؤ بها للمستقبل، هو إلى أي مدى ستلتزم حركة "طاليبان" التي كانت تسيطر آنذاك على 85 % من الأراضي الأفغانية، بما أعلنه ممثلها في لقاء طشقند أمير خان متقي عن نية الحركة تحسين الأوضاع في أفغانستان واستعدادها للتفاوض مع المعارضة، ومدى الجدية التي ستتعامل بها الحركة مع ما جاء من مطالب في بيان طشقند لحل القضية الأفغانية بصورة عادلة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل فئات الشعب الأفغاني الذي أقضت مضاجعه تلك الحرب المدمرة، حكومة تقيم علاقات تعاون وحسن جوار مع جيرانها من الدول، وهي نفسها تقريباً ما كانت تطالب به المعارضة الأفغانية أيضاً، وهو ما لم يحدث أبداً بسبب تصلب مواقف الطرفين.
تبعها مناقشة مجلس الأمن الدولي أثناء جلسته التي انعقدت في مقر منظمة الأمم المتحدة في نيويورك بتاريخ 28/7/1999 للنتائج التي توصل إليها لقاء طشقند والذي أثمر عن صدور وثيقة طشقند التي تضمنت المبادئ الأساسية للحل السلمي للصراع الأفغاني. وعاد مجلس الأمن الدولي وأصدر في 15/10/1999 قراره رقم 1267 حول أفغانستان، الذي تضمن مطالبة حركة "طاليبان" بتسليم أسامة بن لادن الذي تتهمه الولايات المتحدة الأمريكية بتنظيم عمليات إرهابية وتدبير اعتداءات على مصالحها في إفريقيا، واستناداً للقرار المذكور جمدت واشنطن الحسابات المصرفية لمؤسسة الطيران الأفغانية "آريان" وأوقفت التجارة وتوظيف رؤوس أموال الشركات الأمريكية، في المناطق التي تسيطر عليها حركة "طاليبان".
وعاد الرئيس كريموف مرة أخرى وطالب منظمة الأمن والتعاون الأوروبية أثناء لقاء القمة الذي عقدته المنظمة في اسطنبول بتركيا بتاريخ 18/11/1999 في سياق كلمته أمام القمة (وأوزبكستان أول دولة في آسيا المركزية ترتبط منذ تموز/يوليو 1999 باتفاقية شراكه وتعاون استراتيجي نافذة مع الاتحاد الأوروبي)، بأن تلعب المنظمة الأوروبية دوراً أكثر فاعلية لإقامة نظام للأمن الإقليمي في منطقة آسيا المركزية، أخذين باعتبارهم أن تهديدات الصراع الدائر على الأرض الأفغانية تشمل المنطقة بأسرها، خاصة بعد أن ثبت إنتاج وتجارة المخدرات، وتجارة الأسلحة، بشكل غير قانوني، إضافة إلى تدريب المقاتلين المتطرفين في أفغانستان، وهو ما يحمل معه أثاراً سلبية بعيدة المدى، وخاصة على منطقة آسيا المركزية. وأثبتته معطيات منظمة الأمم المتحدة التي تحدثت عن تلقى حوالي 70 ألف مقاتل من المتطرفين الإسلاميين من 55 دولة في العالم التدريب العسكري خلال السنوات الأخيرة في معسكرات التدريب الأفغانية.
وفي بداية عام 2000 جرى في طشقند اللقاء الدوري لقادة دول آسيا المركزية خلال الفترة من 20-21/4/2000، الذين أكدوا خلاله على ضرورة العمل المشترك لمواجهة تهديدات الصراع الدائر في أفغانستان. وتبعه إعلان رئيس مجلس الأمن الدولي في أبريل/نيسان استعداد المجلس للنظر في موضوع اتخاذ إجراءات إضافية هادفة تتفق ونظام منظمة الأمم المتحدة، الغرض منها الرقابة على إنتاج المخدرات في أفغانستان. وكان الأمن الإقليمي على ضوء الأحداث الجارية في أفغانستان أيضاً من بين أهم المواضيع التي بحثها الرئيس الأوزبكستاني مع رئيس الوزراء الهندي أثناء زيارته الرسمية للهند خلال الفترة من 1-2/5/2000. وكان التطرف الديني والإرهاب في آسيا المركزية موضوع الندوة الدولية التي جرت في واشنطن خلال مايو/أيار 2000 وكان الهدف منها شرح مضمون أخطار التطرف الديني والإرهاب على الأمن والاستقرار في آسيا المركزية، وخاصة في أوزبكستان. وكل ردود الأفعال تلك كما أثبتت الوقائع لم تكن أكثر من التعاطف مع الجهود الأوزبكستانية، ودول المنطقة الأخرى دون رفعها إلى مستوى الاهتمام إلى التطبيق العملي.
مما دفع على ما نعتقد بالرئيس الأوزبكستاني أثناء "الاحتفال بالألفية الجديدة" الذي أقامته الهيئة العامة للأمم المتحدة في 12/9/2000 لطرح القضية أمام المحتفلين مؤكداً مواقف حكومته الثابتة من المشكلة الأفغانية، ومطالباً المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات فاعلة لحل القضية، أي قبل عام كامل على الأحداث الإرهابية الأليمة التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي إطار تلك الجهود أيضاً نرى مساعي الرئيس الأوزبكستاني أثناء مشاركته في لقاء قمة قادة رابطة الدول المستقلة التي عقدت في منسك عاصمة بيلاروسيا في مطلع حزيران/يونيو 2000، والذي كان فيه المسار الأمني الشغل الشاغل لبعض قادة الدول الأعضاء في الرابطة وطبعاً القيادة الأوزبكستانية في مقدمتها، حيث كرر الرئيس كريموف دعوته التي أعلنها في لقاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا المنعقد في اسطنبول في تشرين ثاني/نوفمبر 1999 لإقامة مركز لمكافحة الإرهاب الدولي تابع لمنظمة الأمم المتحدة، وناقش مع قادة دول رابطة الدول المستقلة اقتراحه لإقامة مركز لمكافحة الإرهاب في إطار الرابطة دون التوصل إلى نتائج محددة. ورغم تسارع الأحداث التي تدعوا إلى ضرورة إنشاء مركز كهذا من وجهة النظر الأوزبكستانية، فإننا نرى أن بعض الدول الأعضاء في الرابطة كانت لم تزل تخلط بين مهام هذا المركز التي يجب أن توجه نحو محاربة التطرف والعنف والإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات والجريمة المنظمة، وبين مهام مجلس معاهدة الأمن الجماعي لرابطة الدول المستقلة الذي هو بمثابة حلف عسكري موجه ضد الغير من منظور الموازنات الدولية القائمة حسب وجهة النظر الأوزبكستانية، وهو الأمر الذي دعاها للانسحاب منه قبل ثلاث سنوات، وبرر الخطاب السياسي الأوزبكستاني هذا القرار بإدراك القيادة الأوزبكستانية، رغم قناعتها بأهمية مجلس معاهدة الأمن الجماعي بأن المعاهدة ليست سوى حبراً على الورق لا أكثر.
ومع ذلك نرى أن القيادة الأوزبكستانية خلال الفترة اللاحقة لانسحابها من معاهدة الأمن الجماعي قد ركزت جهودها، وأعطت الأولوية لإنشاء مركز لمكافحة الإرهاب الذي تعتبره أكثر جدوى وأهمية. ورغم توصل الدول التي شاركت في جلسة مجلس الأمن الجماعي لرابطة الدول المستقلة في أيار/مايو من عام 2001 في العاصمة الأرمينية يرفان، لاتفاق حول إنشاء قوة للانتشار السريع في ثلاث مناطق تشمل: شرق أوروبا، والقوقاز، وآسيا المركزية. فإنه كان من الواضح أنهم قد صرفوا النظر عن الاقتراح الأوزبكستاني لإنشاء مركز لمكافحة الإرهاب. وعاد وتكرر الوضع عندما استبعد الموضوع من جدول أعمال لقاء القادة في العاصمة البيلاروسية منسك. وهو عكس ما كان يتوقعه الرئيس الأوزبكستاني في تصريحه قبل مغادرته طشقند إلى منسك، حيث أشار فيه إلى أهمية بحث النواحي الأمنية، وضرورة تكثيف الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف الديني والقومي الذي يهدد أمن واستقرار ليس أوزبكستان وآسيا المركزية وحسب، بل ورابطة الدول المستقلة ومناطق أخرى من العالم، ومطالبته بتكثيف الجهود الجماعية المشتركة للتصدي لهذا التهديد ووقف انتشاره.
ومع ذلك يبدوا أن القيادة الأوزبكستانية لم تفقد الأمل آنذاك من العمل الجماعي مع قادة الرابطة، وعادت من جديد لتأكيد مواقفها السابقة من التعاون الإقليمي والدولي، وأفضلية العلاقات الاقتصادية عن غيرها من العلاقات، مؤكدة اقتراحها السابق بإنشاء مركز لمكافحة الإرهاب أثناء اللقاء الذي جاء بعد لقاء منسك وجمع قادة كلاً من جورجيا، وأوكرانيا، وأوزبكستان وأذربيجان، ومولدوفا في يالطا على البحر الأسود. تلك الدول التي اتفقت في عام 1996 من خلال اللقاء الذي جرى في فيينا وضم قادة كلاً من جورجيا، وأوكرانيا، وأذربيجان، ومولدوفا، على توسيع العلاقات الثنائية القائمة بينهم، واضعين أساس مبدئي لإقامة بنية تنظيمية خاصة للتعاون في المنطقة المطلة على البحر الأسود وبحر قزوين. و انضمت أوزبكستان إلى تلك المعاهدة في نيسان/أبريل 1999 لتتسع الاتفاقية بذلك جغرافياً لتشمل قلب آسيا المركزية، وليصبح عدد الدول المنضمة للاتفاقية الجماعية خمس دول، عرفت منذ ذلك الحين اختصارا باسم ( جووام ) الذي جاء من الأحرف الأولى لأسماء الدول الخمس الأعضاء في الاتفاقية. وكان من المتوقع أن تقوم "جووام" كمنظمة إقليمية بلعب دور هام يدفع بالدول الأعضاء فيها لإتباع إجراءات أمنية محددة يناقشها قادة الدول الأعضاء في لقائهم القادم الذي سيعقد في باكو العاصمة الأذربيجانية في الخريف من العام ذاته، على أن يسبقه مؤتمر حول الأمن يعقد في طشقند.
وراحت الجهود الأوزبكستانية لخلق تكتل إقليمي لمواجهة خطر انتشار الإرهاب في المنطقة أبعد من ذلك بانضمامها إلى "منظمة شنغهاي للتعاون". والنجاح الأكبر للدبلوماسية الأوزبكستانية هذه المرة كان بالتوقيع إلى جانب قازاقستان والصين وقرغيزستان وروسيا وطاجكستان على "اتفاقية شنغهاي لمكافحة الإرهاب والتطرف" الذي تعاني منه تلك الدول جميعها.
واعتبر الرئيس كريموف في الكلمة التي ألقاها أثناء جلسة قادة الدول المشاركة في 15/6/2001 اللقاء وانضمام بلاده للمنظمة حدثاً تاريخياً في العلاقات الدولية، واعتبر أن البنية الإقليمية التي أسست منذ خمس سنوات لتعزيز الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء في المجالات الدفاعية وتخفيض القوات العسكرية في المناطق الحدودية، قد تحولت اليوم إلى منظمة تفتح الطريق واسعة للتعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
واعتبر المراقبون والمحللون السياسيون حينها أن منظمة شنغهاي للتعاون هي آلية متعددة الجوانب للتعاون الشامل، تم الإعداد لها بشكل جيد، بهدف تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة ومكافحة أخطار الإرهاب الدولي والتطرف الديني والقومي وتجارة المخدرات التي تهدد الأمن في المنطقة، والتصدي لأخطارها بشكل فاعل. وأن أهمية منظمة شنغهاي للتعاون تنبع من أنها أصبحت تجمع قادة دول تتفق وجهات نظرهم حول القضايا السياسية، وقضايا الأمن والاستقرار الإقليمي، وقضايا التطور في منطقة آسيا المركزية برمتها، إضافة لوجود روسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الأمن بمنظمة الأمم المتحدة داخل هذه المنظمة. وأن ما دفع بأوزبكستان للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، هو رغبتها للسعي من خلال المنظمة لحل عقدة القضايا الحيوية المعلقة، وفي مقدمتها القضية الأفغانية، والسعي من خلال هذه المنظمة لوقف إراقة الدماء في أفغانستان، ومنع التهديد المستمر لأمن واستقرار المنطقة برمتها. والإقلال من شأن المشاكل الناتجة عنها، والمتمثلة بالعنف والإرهاب والتطرف الديني والقومي، وتجارة المخدرات، وتهريب الأسلحة، وهي قضايا متصلة ولا تنفصل عن بعضها البعض، حسب رأي القيادة الأوزبكستانية التي اعتبرت دائماً أن الخطر يأتي من ملايين الدولارات التي يتم الحصول عليها من تجارة المخدرات، وتستخدم في تجنيد المتطرفين الذين يرسلون للقيام بأعمال عنف إجرامية في مناطق مختلفة من العالم، وهو ما يحتاج للتنسيق الفاعل بين دول العالم للتصدي لها بشكل مشترك للوصول إلى نتائج ملموسة ومنتظرة.
كما وخلص الخطاب السياسي للقيادة الأوزبكستانية إلى نتيجة مفادها أن مراكز تجنيد المتطرفين تستغل المصاعب الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية وغيرها من الأسباب لزعزعة أمن واستقرار المنطقة. مما دفع بالرئيس كريموف لدعوة قادة دول منظمة شنغهاي للتعاون، إلى العمل الجاد من أجل الوقاية من التطرف ومنعه، عن طريق التعاون من أجل توفير الرفاهية والحياة الكريمة لشعوب المنطقة. وعبر عن أمله أن يتم بمساعدة روسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الأمن بمنظمة الأمم المتحدة، الإسراع في إقامة منطقة خالية من السلاح النووي في آسيا المركزية، خاصة وأن الانتشار غير الشرعي لأسلحة الدمار الشامل اليوم أصبح من المشاكل الحيوية التي تهدد مصير البشرية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: هل دفعت النشاطات المكثفة في الإطار الإقليمي بأوزبكستان للابتعاد عن شركائها في أوروبا وخلف المحيط الأطلسي ؟ وهل كان النجاح الذي حققته نتيجة للجهود الواسعة للقيادة الأوزبكستانية في منسك، ويالطا، وشنغهاي، للتخلي عن سياسة البدائل والتعاون الإيجابي في السياسة الخارجية الأوزبكستانية ؟
والجواب على تلك التساؤلات يأتي من النتائج الإيجابية التي توصلت إليها المباحثات التي أجراها في واشنطن آنذاك وزير الخارجية الأوزبكستانية عبد العزيز كاميلوف مع نظيره الأمريكي كولن باول، حول نفس القضايا المطروحة، والتي تطابقت حولها وجهات النظر الأوزبكستانية والأمريكية، حول الاتفاق على ضرورة توسيع الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي وتجارة المخدرات، وتنسيق الجهود لحل مسائل الأمن والبيئة، والتوقيع على اتفاقية لتعميق التعاون المشترك بين أوزبكستان والولايات المتحدة الأمريكية للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وبعد كل هذا العرض للجهود الأوزبكستانية الدولة المجاورة لأفغانستان حيال تداعيات القضية الأفغانية يحق لنا التساؤل هنا، هل احتاج المجتمع الدولي الانتظار حتى الأحداث المجرمة في نيويورك وواشنطن لينهض من ثباته ويبدأ بتنسيق الجهود وتركيزها لمحاربة الإرهاب ؟ ولماذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل فعال لمواجهة التطرف والإرهاب ومنعه قبل حدوث ما حدث ؟ وقبل أن يتعرض العالم لأخطار نشوب حرب عالمية ثالثة لا قدر الله.
والسؤال المحير الآخر لماذا هذا الغياب الطويل لجهود التنسيق بين الدول العربية والإسلامية، ودول آسيا المركزية في إطار المنظمات الإقليمية البارزة ومنظمة المؤتمر الإسلامي لوضع تصور مشترك أيضاً لمكافحة العنف والإرهاب والجريمة المنظمة وحماية المصالح المشتركة ؟ وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأن آسيا المركزية تضم اليوم 50 مليون نسمة، يعيش أكثر من نصفهم في أوزبكستان، فإننا نستطيع استنتاج أن أوزبكستان تعتبر الدولة الأهم في المنطقة جغرافياً وسياسياً وسكانياً. وهي المعنية أكثر بحل القضية الأفغانية وتحقيق السلام في أفغانستان، بعد دخولها لعضوية "منظمة شنغهاي للتعاون" في يونيو/حزيران 2001. وهو السلام الضروري لتوفير الأمن والاستقرار الدائم في المنطقة الواسعة التي أصبحت تشمل دولتين عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي وهما روسيا والصين، إضافة لأربع دول إسلامية هي أوزبكستان وقازاقستان وطاجكستان وقرغيزستان. مما دفع بالرئيس الأوزبكستاني بتشبيه أفغانستان بـ"حزام بكفورد" يشد ليس المنطقة وحدها، بل وكل نظام الأمن العالمي، بعد تحول الحدود الأفغانية مع الدول المجاورة إلى قاعدة انطلاق، ومسرحاً لعمليات القوة العسكرية المدمرة للإرهاب الدولي والتطرف الديني، والأكثر من ذلك المصدر الرئيسي لأسواق المخدرات الدولية. وهو ما يزيد من تعقيد الأوضاع في المنطقة لأن بعض الدول كانت تحاول دائماً زيادة وتوسيع تأثيرها على أفغانستان، وتحويلها إلى قاعدة انطلاق، تنطلق منها لضرب الاستقرار والأمن في دول آسيا المركزية ولنشر أفكار هدامة، من خلال شعارات كاذبة تتحدث عن التضامن الإسلامي، وتستغل المشاعر الدينية لدى أتباع كل الديانات لـتأجيج المواقف، وتستغلها الحملات الإعلامية المركزة التي تشنها بتركيز شديد بعض وسائل الإعلام العالمية المعروفة لتشويه صورة العرب خاصة والمسلمين عامة في أذهان الرأي العام العالمي، ودق إسفين من الحقد قد يطال أتباع الديانتين السماويتين الإسلام والمسيحية على السواء. وهو ما يتطلب من الجميع تحرك سريع وتنسيق للمواقف، ومن وسائل الإعلام العربية والإسلامية، فتح قنوات جديدة ليس باللغة العربية وحدها، بل وباللغات الإنكليزية والروسية والفرنسية والإسبانية وغيرها للحوار ومواجهة الموقف قبل استفحاله.
ومن تحليل لتلك الوقائع التي عرضناها نستطيع الخروج بالنتائج التالية: أن جهود الحكومة الأوزبكستانية من أجل لفت أنظار المجتمع الدولي إلى مشاكل الأمن الإقليمي والدولي، وخاصة قضية الصراع الدائر على الأرض الأفغانية تلقت تفهم المجتمع الدولي بالتدريج؛ وأن ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، هم معنيون مباشرة بإيجاد الحلول السلمية الملائمة لوقف الصراع الدائر على الأرض الأفغانية؛ وأن الدول العربية والإسلامية مطالبة أكثر من أي وقت مضى وبأسرع وقت ممكن لتنسيق الجهود والتعاون مع جمهوريات آسيا المركزية، وخاصة جمهورية أوزبكستان من أجل حل القضية الأفغانية بالطرق السلمية والتعاون الأمني ومكافحة الجريمة والعنف والإرهاب بكل أشكاله؛ وأن على دول منطقة آسيا المركزية ومن ضمن مجموعة "6+2" أن تتخذ اليوم وبشكل عاجل إجراءات حاسمة، وجهوداً كبيرة من أجل البحث عن حل سلمي للقضية الأفغانية قبل أن يستفحل الموقف، ويخرج عن إطاره المحدود، وقبل فوات الأوان.
وهذا يعني أنه لم تزل هناك إمكانية فريدة في تاريخ العلاقات الدولية، للتمسك بالخط المبدئي الذي سبق وأعلنته مراراً القيادة الأوزبكستانية وطالبت من خلاله بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان، ومساعدتها للخروج من محنتها بالطرق السلمية، خاصة وأن أوزبكستان معنية ومستمرة في تأييد مبادرات منظمة الأمم المتحدة من أجل عزل الصراع الدائر في أفغانستان، والتعاون بنشاط مع كل الجهات المعنية في إقرار السلام على الأرض الأفغانية، وهي من أجل ذلك تتابع وبشكل دائم ومستمر، وتحافظ على اتصالاتها مع الدول المعنية بهذا الصراع.
وهو ما عاد وأكده الرئيس الأوزبكستاني إسلام كريموف، والذي أظهر بحث لمواقف الرأي العام المحلي أن الأكثرية المطلقة من المستفتين يؤيدون مبادراته وخطواته العملية الموجهة ضد الإرهاب الدولي، والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية (أظهر البحث أن 95,5 % من المستفتين يتعاطفون معها بعد الأحداث الأخيرة التي جرت في نيويورك وواشنطن) وغيرها من دول العالم من أجل القضاء على آفة القرن الحادي العشرين، وأكد استعداد بلاده للمشاركة مع الدول المعنية للعب دور أكثر فاعلية من أجل وضع وتحقيق حل دائم للقضية الأفغانية. وهو ما عاد وكرره مرة أخرى خلال استقباله لسكرتير مجلس الأمن القومي للاتحاد الروسي فلاديمير روشايلو، من أن أوزبكستان مستعدة للبحث في المسائل المتعلقة بالجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب، ضمن جهود منظمة الأمم المتحدة. وأن أوزبكستان لم تنظر ولم تبحث مع ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية في موضوع تقديم أراضيها ومجالها الجوي من أجل توجيه ما يسمى بضربات عسكرية في أفغانستان.
وجاء القرار إثر الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن القومي الأوزبكستاني برئاسة الرئيس كريموف بتاريخ 1/10/2001 في البيان الذي عبر فيه عن تضامنه مع الشعب الأفغاني الذي يعاني من محنة مستمرة منذ أكثر من عشرين عاماً، ومساندة جهود الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم في الجهود الدولية لوقف الحرب الأهلية الدائرة على الأرض الأفغانية، وفي عملية القضاء على قواعد ومعسكرات الإرهابيين الدوليين في أفغانستان، واستعداد جمهورية أوزبكستان للمشاركة في تلك الجهود، واستعدادها لفتح أجوائها من أجل هذا الغرض.
ولكن على العكس من ذلك أخذت بعض وسائل الإعلام الجماهيرية العالمية وخاصة الناطقة منه باللغة الروسية تذيع أخبارا متنوعة عن الوضع في أفغانستان، حيث استقرت بعض المجموعات الإرهابية، وعن الأحداث الجارية حولها وفي آسيا المركزية، وتضمنت تلك الأخبار إلى جانب الأخبار الموثوقة التي تخدم أهدافاً وحيدة الجانب، الكثير من الأخبار المختلقة والأكاذيب الملفقة، التي تخدم قبل كل شيء الأهداف الخاصة ومرامي بعض القوى السياسية العاملة على الساحة الإعلامية الدولية.
الأمر الذي دفع بالرئيس كريموف للتصريح في 5/10/2001 لذكر أنه "في أخبار التلفزيون الروسي ووسائل الإعلام الجماهيرية في هذا الموضوع، يمكن أن نسمع، أن أوزبكستان وضعت مكاناً على أراضيها للقوات المسلحة للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وأن هذه القطعات الحربية ستبدأ قريباً عملياتها من هذه القواعد وتهاجم أفغانستان. وأضاف أنه "من وقت قريب قامت بعض وسائل الإعلام الجماهيرية الأجنبية بتوزيع خبر عن أن وحدة القناصة الجبلية للواء العاشر من جيش الولايات المتحدة الأمريكية موجودة في أوزبكستان وهدفها الرئيسي الهجوم على أفغانستان، حتى أن بعض وسائل الإعلام الجماهيرية، عرضت صوراً، مدبلجة بواسطة تقنيات الكمبيوتر، لتبدوا وكأنها في مطارات أوزبكستان".
وطبعاً كانت تلك الحملة الإعلامية الملفقة مرتبطة بزيارة وزير دفاع الولايات المتحدة الأمريكية دونالد رامزفيلد إلى أوزبكستان والتي رافقتها طبعاً توقعات وتنبؤات مختلفة في وسائل الإعلام الجماهيرية الأجنبية.
ويرى المراقبون في أكثر تلك الأخبار المنشورة، أنباء وتوقعات كاذبة في أساسها، حاولت أن تقدمها تلك الوسائل كدليل على وجود اتفاق سري بين البلدين، متناسين أن زيارة وزير دفاع الولايات المتحدة الأمريكية تلك لأوزبكستان، جاءت في إطار جولته التي تضمنت مصر وعمان والمملكة العربية السعودية، وهو ما شمل أيضاً التعليقات التي تبعت المحادثات الهاتفية التي جرت بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والوزير الأول البريطاني والرئيس الأوزبكستاني.
وهو ما دفع بالرئيس كريموف ليتساءل في تصريحه عن هدف تلك الهجمات الإعلامية وهدف نشر تلك الاختلافات والأكاذيب معتبراً أن أهداف تلك القوى لا تخرج عن إطار أنها:
أولاً: لا تستطيع أن تقبل بالاستقلال السياسي الذي تتمتع به أوزبكستان، ولا تستوعب خطواتها العملية الموجهة نحو الدفاع عن النفس اعتماداً على القوى الذاتية لأوزبكستان، إضافة لقلقهم من صعود شخصية أوزبكستان على الحلبة الدولية.
ثانياً: أن أساس تلك الهجمات الإعلامية الأضاليل التي تتبعها، والهدف منها بالأساس هو تعقيد العلاقات بين دول المنطقة، ووضعها في مواجهة بعضها البعض إضافة لإضاعة الثقة المتبادلة بينها. وزرع الاضطراب والقلق في قلوب المواطنين العاديين الذين يعيشون في المنطقة، من مختلف القوميات والأديان، وقتل إيمانهم بالغد.
ولهدا السبب وجه الرئيس كريموف اللوم إلى الصحافة والتلفزيون الأوزبكستاني لتقصيرهم في توصل الأخبار الضرورية وتقديم الشروح الوافية لأبناء الشعب، مما أدى إلى ترك الأوساط الاجتماعية تواجه صعوبة في فهم ما يدور من حولها، وعدم قدرتها على التمييز بين الأخبار الواردة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية الأجنبية واكتشاف أي منها صادقاً، وأي منها كاذباً.
ثالثاً: أنهم يريدون، من هجومهم الإعلامي قبل كل شيء تكريس أيديولوجيتهم الخاصة ومصالحهم الأنانية، عن طريق الأكاذيب لتضليل القوى وتشتيتها وإبعادها عن طريقها وزرع الشقاق والخلافات وعدم الثقة بينها.
رابعاً: أنه أصبح واضحاً اليوم أن بعض الدول والقوى السياسية التي أعلنت بحرارة عن انضمامها للكفاح ضد المجموعات الإرهابية، والإرهاب بشكل عام، وعن تعبئة كل إمكانياتها وقواها من أجل هذا الهدف، نراها ومع الأسف أنها دخلت في إطار اللعب السياسية والمتاجرة بهذا الموضوع الهام الذي يمس مصير كل الشعوب والمناطق في العالم أجمع. وهي الحقيقة التي يؤكدها دخول أكثر من 100 دولة من دول العالم في التحالف أو عبرت عن قرارها وموقفها الثابت من موضوع مكافحة الإرهاب بغض النظر عن الأنظمة والآراء السياسية، ومن بينها الكثير من الدول العربية والإسلامية. وهذا يعني أن هذا التحالف غير موجه ضد الدول الإسلامية، أو الدين الإسلامي أو الشعب الأفغاني، وأن الهدف الحقيقي من التحالف هو القضاء التام على الآلة الهدامة للإرهاب في العالم أجمع.
وقد جاء رد الفعل الروسي مباشرة على الانتقادات التي وجهها الرئيس كريموف لبعض وسائل الإعلام الجماهيرية الروسية في سياق المحادثة الهاتفية التي جرت بين الرئيس كريموف، ورئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين بتاريخ 10/10/2001 مؤكدا على ضرورة التنسيق والتعاون وزارتي الخارجية في البلدين لمواجهة المستجدات وخاصة الأنباء الكاذبة التي تبثها وسائل الإعلام الجماهيرية حول الأحداث في أفغانستان.
واعتبر الرئيس كريموف في بيانه أن إسهام أوزبكستان في التحالف الدولي جاء قبل كل شيء لمواجهة القوى الشريرة التي تتطاول على أمن واستقرار أوزبكستان منذ ثلاث سنوات، ولتوفير الضمانات بأن تلك القوى لن تتطاول على أمن وسلامة أوزبكستان. وكرر أنه كرئيس للجمهورية ينظر إلى أن على أوزبكستان أن تعتمد على قواها الذاتية قبل كل شيء في مواجهة بعض القوى والدول الكبرى التي تدير "اللعبة" السياسية مع المجموعات الإجرامية التي تسمي نفسها بـ"الحركة الإسلامية الأوزبكستانية" التي يتحمل الشعب الأوزبكستاني عدوانها منذ ثلاث سنوات انطلاقاً من أفغانستان.
وأشار إلى أن المحادثات الجارية مع قادة الولايات المتحدة الأمريكية، هدفها النضال المشترك ضد الإرهاب الدولي، وإعداد الوثائق القانونية التي ستكون أساساً لمثل هذا التعاون، إلى جانب الالتزامات والضمانات المتبادلة.
من خلال الموقف المحدد لأوزبكستان وهو أن أوزبكستان: تضع مجالها الجوي في خدمة القوات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية؛ وتتبادل المعلومات بين أجهزة الأمن في البلدين؛ وتسمح بهبوط طائرات النقل ومروحيات الولايات المتحدة الأمريكية في أحد المطارات الحربية على أراضيها. وتوفير السبل الملائمة من أجل عمل الخبراء الأمريكيين، والتقنيين اللازمين لخدمة تلك الطائرات والمروحيات. وأنها لا تضع المطار المذكور تحت الإدارة الأمريكية الكاملة، بل ستكون فيها الطائرات الحربية الأوزبكستانية أيضاً.
وأن طائرات ومروحيات الولايات المتحدة الأمريكية ستستخدم للأغراض الإنسانية فقط، ومن أجل القيام بأعمال البحث والإنقاذ، وأن عدد تلك الطائرات ليس كبير ويتضمن فقط طائرات ومروحيات الشحن والنقل.
وعاد الرئيس كريموف وأكد الموقف المبدئي والثابت لبلاده في مسألتين هامتين وهما: عدم السماح بالقيام بعمليات حربية أرضية ضد أفغانستان من أراضي أوزبكستان. وعدم السماح بالقيام بعمليات قصف بالقنابل من أراضي أوزبكستان.
وهو ما أكده البيان الصادر عن حكومة جمهورية أوزبكستان وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية اللتان اعترفتا بأن الإرهاب الدولي تهديد جاد للسلام والاستقرار العالمي والإقليمي. وأعلن عن توقيعهما في 7/10/2001 أول الجاري اتفاقية تعتبر قاعدة متينة للتعاون المشترك في الكفاح ضد الإرهاب، وأنهما سيعملان معاً من أجل إقامة مستقبل أكثر أمناً ليس من أجل شعوب آسيا المركزية، ولكن من أجل العالم أجمع.
واعتبر البيان أن الكفاح المشترك موجه ضد الإرهاب، وليس ضد الشعب الأفغاني، وأن الدولتين ستتعاونان في مجال تقديم المساعدة الإنسانية للشعب الأفغاني، وأنهما مصرتان على القضاء على الإرهاب الدولي وبنيته التحتية. ومن أجل ذلك وافقت جمهورية أوزبكستان على تقديم مجالها الجوي والبنية التحتية العسكرية والمدنية الضرورية وأحد المطارات، للاستخدام بالدرجة الأولى للأهداف الإنسانية.
وقررت الحكومتان إقامة علاقات نوعية جديدة مبنية على المدى الطويل لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. واعترفتا بضرورة التعاون الوثيق في الكفاح ضد الإرهاب، بما فيه ضرورة التنسيق السريع بهدف اتخاذ الإجراءات المناسبة، في حالة نشوء تهديد مباشر لأمن ووحدة أراضي جمهورية أوزبكستان.
ورغم كل ذلك نرى أن الحرب الإعلامية التي تشنها بعض وسائل الإعلام الناطقة بالروسية من خلال حملة التضليل الإعلامي المركزة التي تقوم بها من أجل زرع بذور الشك والشقاق والريبة بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، وحملتهم الشعواء لتشويه صورة العرب والإسلام والمسلمين بشكل عام أمام الرأي العام الناطق باللغة الروسية، في تكتيك جديد لبذر بذور الخوف والتمزق بين شعوب رابطة الدول المستقلة.
ونتيجة لاستمرار تلك الوسائل الإعلامية الجماهيرية الأجنبية حسب المصادر الأوزبكستانية في نشر الأكاذيب عن حقيقة الأوضاع القائمة على الحدود الأوزبكستانية الأفغانية عقد وزير الخارجية الأوزبكستاني عبد العزيز كاميلوف، وسكرتير مجلس الأمن القومي الأوزبكستاني م. رحمان قولوف مؤتمراً صحفياً في طشقند، كذبا فيه الأنباء التي تحدثت عن وجود حشود عسكرية أفغانية مؤلفة من عشرة آلاف مقاتل من حركة "طاليبان" على الحدود الأوزبكستانية، مؤكدين على أن الأوضاع على الحدود المشتركة بين البلدين هادئة تماماً.
وأخيراً لابد أن نكرر أن الهدف الأساسي للجهود والمساعي التي قامت وتقوم بها أوزبكستان حيال القضية الأفغانية حتى اليوم، هو أن تجني ثمار مبادراتها السلمية، وأن تدعم هدوئها وطمأنينتها واستقرارها، وهو نفس ما تتمناه لجارتها أفغانستان، من أجل أن تعود علاقات الأخوة وحسن الجوار بين البلدين إلى ماضي عهدها، وتعود الطرق التجارية البرية التقليدية التي كانت تربط أوزبكستان في الماضي عبر الأراضي الأفغانية بباكستان والهند والموانئ البحرية على بحر العرب والمحيط الهندي منذ الأزل.
وتعزيز الأمن الإقليمي كان من بين المواضيع التي بحثها قادة دول آسيا المركزية بدعوة من الرئيس الأوزبكستاني إسلام كريموف في لقائهم الذي عقد في طشقند يوم 28/12/2001 والذي سبقته لقاءات ثنائية بين الزعماء الأوزبكستاني والقرغزستاني عسكر أكاييف، والقازاقستاني نور سلطان نازارباييف، والطاجكستاني إمام علي رحمانوف، بحثت خلالها مواضيع تتعلق بسبل تطوير العلاقات الثنائية. وأثناء المباحثات الموسعة التي جرت بحضور الوفود الرسمية جرى تبادل الآراء حول مسائل التعاون الجماعي المتعدد الجوانب المشترك، وتوفير الاستقرار والأمن في المنطقة.
وحول تطور الأوضاع في أفغانستان المجاورة لمنطقة آسيا المركزية أشاد القادة في مؤتمره الصحفي الذي عقدوه بعد انتهاء اللقاء ببدء عملية الحل السياسي للقضية الأفغانية، وعبروا عن تأييدهم للإدارة الحكومية المؤقتة في أفغانستان برئاسة حميد قرضاي، وجهود منظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الموجهة نحو حل قضايا ما بعد الحرب لإعمار أفغانستان، مؤكدين على تقاليد حسن الجوار التي كانت قائمة في العلاقات بين شعوب آسيا المركزية والشعب الأفغاني، والتاريخ والثقافة المشتركة بينهم، وعبر القادة عن استعدادهم لتقديم المساعدات الإنسانية وغيرها من المساعدات للشعب الأفغاني من أجل بناء وتجديد الدولة الديمقراطية، والعيش بسلام ووئام مع جيرانهم، والتكامل مع المجتمع الدولي.
وأما فيما يتعلق بالتوتر القائم على الحدود الهندية الباكستانية، فقد عبر القادة عن قلقهم حيال تصاعد التوتر في العلاقات بين الهند وباكستان، واستنكروا بشدة العملية الإرهابية التي جرت في البرلمان الهندي، والتي نتج عنها ضحايا في الأرواح، ودعى القادة، قادة الهند وباكستان للتحلي بالحكمة، والامتناع عن أية إجراءات قد تدفعهما نحو الخطر، والعمل على حل المشاكل القائمة بالوسائل السياسية وحدها. كما وعبروا عن أملهم بتطوير وتعزيز علاقات حسن الجوار بين الهند وباكستان على أسس ثابتة تلبي مصالح البلدين الجارين وتوفر الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأكد القادة في مؤتمرهم الصحفي عن ثبات مواقفهم من القضايا الهامة وعن أهمية توفير الأمن والاستقرار للمنطقة، مؤكدين على أنهم سيتخذون كل الإجراءات الضرورية والمشتركة في إطار اتفاقية التعاون المشترك الموقعة بين الأطراف بتاريخ 21/4/2000، وغيرها من الاتفاقيات، لتحقيق هذا الهدف والعمل على مكافحة الإرهاب، والتطرف السياسي والديني، والجريمة الدولية المنظمة، وغيرها من التهديدات التي تطال الاستقرار والأمن في المنطقة. والتعاون مع المجتمع الدولي من أجل إقامة نظام شامل لمكافحة الإرهاب الدولي، والتطرف، والمخدرات وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة.
الفصل الخامس: العلاقات العربية الأوزبكستانية: الجذور التاريخية المشتركة للعرب والأوزبك: بدأ التاريخ العربي الأوزبكي المشترك مع بدايات الفتح الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي، عند ضم منطقة ما وراء النهر إلى الخلافة العربية الإسلامية في العهد الأموي. وهذا لا ينفي أبداً أن العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين العرب وشعوب آسيا المركزية آنذاك كانت قائمة قبل الإسلام بوقت طويل، وخاصة مع بلاد الشام والرافدين. ولكن الذي حدث مع مطلع القرن الثامن الميلادي أنهم أصبحوا معاً داخل دولة واحدة امتدت في وقت ما من المحيط الأطلسي غرباً إلى أسوار الصين شرقاً.
ويحمل التاريخ حقائق كثيرة عن توجه جيوش الفتح الإسلامي العربية شرقاً عام 633م، وبعد سيطرتها على الدولة الساسانية في فارس، انطلقت منها لنشر الدعوة الإسلامية فيما وراء النهر. واعتبارا من عام 674م انتشرت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة عبيد الله بن زياد داخل المنطقة. وبعد تعيين قتيبة بن مسلم الباهلي والياً على خراسان عام 705م دخل بخارى فاتحاً عام 709م، وخوارزم وسمرقند عام 712م، وما أن حل عام 715م حتى خضعت المنطقة الممتدة حتى وادي فرغانة للخلافة العربية الإسلامية.
ويفسر الباحثان الأوزبكيان المعاصران بوري باي أحميدوف، وزاهد الله منواروف، أسباب سرعة انتشار الفتح الإسلامي في المنطقة، بالخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين الحكام المحليين، والاهتمام الكبير الذي أبداه القادة العرب المسلمين بالمنطقة بعد أن استقرت الأمور لصالحهم في خراسان. ويشيران إلى أن العرب "لعبوا دوراً تقدمياً في المنطقة، وغالباً ما كانوا يلجأون إلى السبل السلمية، ويعفون معتنقي الدين الإسلامي من الخراج والجزية". ويضيفان حقيقة هامة، وهي أنه لا مجال لمقارنة الفتح العربي الإسلامي، بالغزو المغولي أو الروسي أو البلشفي. لأن الإسلام لعب دوراً إيجابياً أدى إلى توحيد المدن والدول والقبائل والشعوب المختلفة، وإلى تطوير العلاقات بين تلك الشعوب، إضافة للأثر الإيجابي الكبير في عادات وأخلاق وتقاليد الناس، والذي بفضله تم القضاء على العيوب الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك. وأشارا إلى الدور الهام الذي لعبته اللغة العربية قي تعريف شعوب آسيا المركزية وإطلاعهم على مؤلفات علماء اليونان القدامى، والمخترعات الصينية.
ولا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير لشعوب آسيا المركزية، وخاصة الشعب الأوزبكي في الثقافة العربية الإسلامية وتطوير الحضارة الإنسانية. ومعروفة أسماء أعلام إسلامية من أبناء شعوب آسيا المركزية أمثال: عالم الفلك أحمد الفرغاني (توفي عام 850م)، وعالم الرياضيات محمد بن موسى الفرغاني (783م-850م)، والفيلسوف الكبير أبو نصر الفارابي (873م-950م)، والطبيب الموسوعي أبو علي حسين بن سبنا (980م-1037م)، والعالم الموسوعي أبو ريحان البيروني (973م-1048م)، والموسوعي فخر الدين الرازي، والنحوي والمحدث الكبير الزمخشري (1075م-1144م)، وشيخ المحدثين الإمام البخاري، وغيرهم الكثير.
واستمر إسهام العلماء الأوزبك في الحضارة العربية الإسلامية والعالمية لقرون عدة، ولم تزل أثاره ماثلة للعيون حتى اليوم. الذين ارتحلوا في طلب العلم مابين دمشق وبغداد والبصرة والقاهرة. وخير مثال على ذلك التراث الذي خلفه إمام المحدثين أبو عبد الله إسماعيل البخاري (809م-869م)، والذي يضم أكثر من عشرين مؤلفاً في علوم الحديث أشهرها الجامع الصحيح الذي يضم 7250 حديثاً نبوياً شريفاً. وغيره من علماء الحديث الشريف أمثال: السمرقندي (785م-868م)، والهمذاني (1048م-1140م).
وعبر مئات السنين استقرت بعض الهجرات العربية في ما وراء النهر وأدى التفاعل والاندماج الكامل بينهم وبين شعوب آسيا المركزية (أنظر الفصل السادس)، إلى قيام تجمعات سكانية محلية من أصول عربية وخاصة في ولايات بخارى وسمرقند وقشقاداريا وسورخانداريا، لم تزل حتى اليوم تحتفظ بطابع حياتها المتميزة.
وقد أخذت العلاقات العربية بشعوب المنطقة تضعف بالتدريج منذ الاجتياح المغولي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وما نتج عن قيام الدولة المغولية من تأثير على اللغة والثقافة العربية فيما وراء النهر. دون أن يتمكنوا من المساس بالثقافة الإسلامية بسبب اعتناق المغول أنفسهم للدين الإسلامي الحنيف. وقيام الدولة التيمورية التي أسسها الأمير تيمور "تيمور لانك" (1336م-1405م) التي امتدت من آسيا الوسطى إلى إيران وأفغانستان والقوقاز وبلاد الرافدين وسورية وشمال الهند على أنقاضها. تلك الدولة التي اتخذت أيام ازدهارها من سمرقند عاصمة لها. وقامت جمهورية أوزبكستان على القسم المركزي منها في تركستان.
وأدى تفكك الدولة التيمورية في تركستان إلى قيام ثلاث دول مستقلة في المنطقة هي: بخارى وخيوة، وقوقند، وهو ما سهل الطريق أمام الأطماع الروسية للتوسع في المنطقة. حيث قام الاحتلال الروسي فيما بعد بقطع كل الصلات التي كانت قائمة بين تركستان والعالم العربي والإسلامي، سواء أثناء الحكم القيصري الروسي، أم خلال الحكم الشيوعي الروسي. واقتصرت العلاقات العربية مع دول المنطقة على العلاقات الرسمية التي كانت تمر عبر موسكو فقط. وكان من النادر جداً كما أشار الباحث الأوزبكي زاهد الله منواروف أن تتصل طشقند مباشرة بالعواصم العربية، وأن الاحتلال الروسي والبلشفي قضى على أية إمكانية يمكن أن تسمح بإقامة علاقات مباشرة بين أوزبكستان والدول العربية. ويتابع أنه رغم ذلك فإن الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت العرب والأوزبك استمرت، وعلى أساسها قامت العلاقات العربية الأوزبكستانية بعد الاستقلال.
ولذلك لم يكن غريباً أن قيل بأن العرب قد فوجئوا باستقلال جمهورية أوزبكستان وغيرها من جمهوريات آسيا المركزية عام 1991. لأنهم أمام الهيمنة السوفييتية على جمهورية أوزبكستان، وضعف علاقاتهم معها، لم يكونوا ليتوقعوا أبداً استقلالها، ولهذا كان تقارب الدول العربية معها بطيئاً جداً في البداية. لأن الدول العربية كانت حريصة على استكشاف الطريق إلى أوزبكستان دون أن تؤثر علاقاتها المحتملة معها على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي قبل الاستقلال، ومن ثم العلاقات مع الاتحاد الروسي بعد الاستقلال. خاصة وأنها رافقت فترة صعبة من التاريخ كان العرب فيها منشغلين بتداعيات حرب الخليج الثانية، والحلول الدولية المنتظرة لقضية الشرق الأوسط والتمهيد لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.
ومع ذلك نرى كماً هائلاً من المؤتمرات والندوات قد انعقدت في العديد من الدول العربية بحثت كلها عن أفضل السبل لإقامة علاقات مع جمهوريات آسيا المركزية ومنها طبعاً أوزبكستان.
ورغم سرعة الدول العربية بالاعتراف الدبلوماسي باستقلال أوزبكستان، تلبية لقرار مجلس جامعة الدول العربية في آذار/مارس 1992، الذي حث الدول العربية على تنشيط الاتصالات بدول آسيا المركزية وفتح سفارات فيها، وإقامة تعاون في كل الميادين، وإقامة مراكز ثقافية عربية فيها، فإننا نرى أن مصر والأردن وفلسطين والجزائر والسعودية والكويت فقط (أنظر الملاحق) افتتحت سفارات لها في العاصمة طشقند، وكانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي أقامت مركزاً ثقافياً عربياً في أوزبكستان، وأن العلاقات الاقتصادية والسياسية لم تزل بطيئة ولا تتجاوب مع العلاقات التاريخية حتى الآن.
المصالح الأوزبكستانية العربية المشتركة: نتيجة لعمليات البحث والمراجعة التي أجرتها مؤسسات البحث العلمي، ومراكز صنع القرار العربية والأوزبكستانية للموقف الجديد الذي تكون في آسيا المركزية بعد استقلال جمهورياتها الخمس، ظهر جلياً أنه هناك شبكة من المصالح المشتركة تجمع بين أوزبكستان والدول العربية. وأن هذه الشبكة تحتم بناء مجموعة من السياسات التي تضمن حماية تلك المصالح. تعتمد على:
التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهورية أوزبكستان: لأنه بدا واضحاً بعد استقلال جمهوريات آسيا المركزية، أنه هناك تنافساً شديداً بين القوى الإقليمية والعالمية المختلفة، للتأثير على نمط التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهوريات آسيا المركزية. وهو ما أسماه بعض المراقبين "بالمباراة الكبرى الجديدة"، تمييزاً لها عن المباراة الكبرى التي كانت في تركستان بين بريطانيا العظمى والإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وما سيترتب عن النتيجة النهائية لتلك المباراة الكبرى الجديدة من تأثير مباشر على آسيا المركزية والدول العربية. سيما وأن أوزبكستان تقع في قلب المنطقة التي تربط آسيا بأوروبا، وأن ما يحدث فيها لابد وأن يؤثر بشكل ما على الأحداث الجارية في المنطقة العربية وخاصة الشرق الأوسط بشكل كامل. وتنبأ الباحث المصري إبراهيم عرفات بأن النزاعات الإقليمية في آسيا المركزية، أو نشوء سباق للتسلح فيها، أو إنشاء منطقة منزوعة السلاح النووي هناك لابد وأن يكون له انعكاسات مباشرة على الأمة العربية، ومن ثم توقع أن يكون من مصلحة العرب أن تتبع دول آسيا المركزية وفي مقدمتها أوزبكستان منهجاً مستقلاً للتطور يعتمد على رؤية الشعب والنخبة الحاكمة للمصالح الوطنية، وألا تهيمن قوة إقليمية أو عالمية معينة على دول آسيا المركزية.
المصالح الاقتصادية: وقد رأينا في الفصل الأول من هذا الكتاب أهمية الموقع الإستراتيجي المتميز لأوزبكستان وامتلاكها لكميات مهمة من الموارد الطبيعية والخبرات البشرية والتكنولوجية المتطورة. وأوزبكستان على ضوء هذا يمكن أن تكون الشريك المحتمل والمهم لاستثمار الموارد المالية العربية وتنويع البدائل الاقتصادية التقليدية، من خلال الاستفادة من الخبرات والمقدرات العربية والأوزبكستانية. وقد أشار الباحث العربي ناصيف حتى في هذا المجال، إلى أن الكتلة الجديدة تمثل عمقاً حضارياً واستراتيجياً، وهي ذات قدرات علمية وإستراتيجية أيضاً، وعند بعضها قدرات تسليحية كبيرة. والمنحى الذي سيتخذه التنافس بين القوى في الجوار الإقليمي حولها، لابد وأن ينعكس على موازين القوى في آسيا المركزية وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها.
المصالح الإستراتيجية: خاصة وأن أوزبكستان تكاملت منذ استقلالها مع المجتمع الدولي، وبدأت تلعب دوراً بارزاً في منطقة آسيا المركزية، وأخذت تسهم بقسطها في تسوية النزاعات الإقليمية، وخاصة الصراع الدائر على الأرض الأفغانية. وبادر رئيسها إسلام كريموف للسعي لإعلان آسيا المركزية منطقة منزوعة السلاح النووي. وبات من الواضح أن أوزبكستان هي القوة الأساسية في آسيا المركزية. وأن أية علاقات مع دول المنطقة لابد وأن تمر عبر أوزبكستان بحكم دورها التاريخي والحضاري في العلاقات العربية مع دول المنطقة.
دور أوزبكستان في إبراز الوجه المعتدل للإسلام في مواجهة حركات التطرف الديني: فقد ظهرت في آسيا المركزية بعد استقلال جمهورياتها حركات دينية متطرفة، هدفها الصدام مع النظم السياسية الدستورية، ومحاولة تغييرها بغير الطرق الديمقراطية السلمية واستخدام القوة والعنف المسلح لبلوغ الهدف. وقد أشار إليها الرئيس إسلام كريموف عندما حدد مصادر تهديد الأمن والاستقرار في أوزبكستان. وكان بعض تلك التيارات مدعوماً من قبل بعض القوى على الساحة الأفغانية، ومن بينهم عناصر عربية عرفت باسم "الأفغان العرب"، وتناقلت الأنباء أخبار الدور المدمر الذي لعبته تلك القوى في أفغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها. وهو ما يثبت الفهم الخاطئ للإسلام من قبل تلك القوى، وانتشارها إلى دول الجوار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واستقلال جمهوريات آسيا المركزية، ولابد أن يهدد السلام ليس في آسيا المركزية وحسب، بل وأمن وسلامة الشعوب العربية أيضاً. ومن هذا المنطلق كان من مصلحة العرب الحقيقية توضيح الوجه الحقيقي للإسلام أمام شعوب آسيا المركزية، عن طريق نشر الثقافة الإسلامية بوجهها المتسامح والمعتدل من خلال العلاقات والروابط الثقافية العربية الأوزبكستانية. وهو ما تسعى إليه أوزبكستان نفسها.
ويرى المحللون أن لأوزبكستان مصالح مع الدول العربية لا تقل عن مصالح الدول العربية مع أوزبكستان. ومن نظرة متعمقة في السياسية الخارجية الأوزبكستانية فإننا نرى أن القيادة الأوزبكستانية قد توصلت لجملة من المصالح المهمة التي تجعلها تلتقي مع الدول العربية منها أن:
الدول العربية ميدان لتنويع البدائل في السياسة الخارجية الأوزبكستانية: فعلى ضوء التنافس الدولي حول آسيا المركزية، يظهر ما للدول العربية من أهمية كامتداد جغرافي قريب ووثيق الصلة بأوزبكستان حضارياً وثقافياً، وتتمتع بإمكانيات اقتصادية هائلة كمصدر للاستثمارات وللبضائع الاستهلاكية، وكسوق لليد العاملة والتكنولوجيا والمنتجات الأوزبكستانية. فضلاً عن أنه ليس للعرب أية تطلعات إقليمية أو سياسية في أوزبكستان. ومن هذا المنطلق فإن التعامل المكثف مع الدول العربية يحقق لأوزبكستان مصلحة جوهرية في توسيع البدائل المتاحة أمام السياسة الخارجية الأوزبكستانية، وتخلق لها مجالاً استراتيجيا جديداً يمكنها من خلال دعم المجموعة العربية من التعامل على قدم المساواة مع القوى الأخرى في العالم. ومن المؤكد أنه كلما زادت البدائل المتاحة أمام أوزبكستان في العلاقات الدولية، كلما زادت قدرتها على الحركة في مجال العلاقات الدولية، بشكل يؤمن لها أفضل الشروط في التعامل مع الشركاء الدوليين.
المصالح الاقتصادية الأوزبكستانية في الدول العربية: فالدول العربية كمجموعة تشكل قوة اقتصادية ومالية تستطيع الاستثمار في أوزبكستان، لتمكينها من استغلال مواردها بشكل فعال. إضافة لامتلاك بعض الدول العربية للخبرات الفنية اللازمة لأوزبكستان لإتمام عملية بناء الدولة، وبالذات خلال مرحلة التحول إلى اقتصاد السوق، وما يترتب عنها من بناء نظم اقتصادية ومصرفية، إضافة لفرص التدريب التي يمكن أن تتيحها بعض الدول العربية لأوزبكستان في مجال إعداد الكوادر في مختلف المجالات.
الدور الحضاري لأوزبكستان: والدول العربية بالنسبة لجمهورية أوزبكستان هي الساحة والمدخل المهم للاضطلاع بدور ثقافي وحضاري فعال في العالمين العربي والإسلامي. خاصة وأن أوزبكستان تملك تراثاً ثقافياً ودينياً وحضارياً، سبق وأشرنا إليه، وكان له أثر بالغ في تطور الحضارة العربية. وهو ما يؤهلها لتضطلع بدور حضاري متميز في العالمين العربي والإسلامي.
وانطلاقاً من المصالح المشتركة والمتشابكة بدأ العرب والأوزبك بصياغة مجموعة من السياسات التي يمكن أن تكفل تحقيق وحماية مصالحهما المشتركة. ومن المنطقي أن تكون نقطة البداية إنشاء وتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية بين الدول العربية وأوزبكستان. ولهذا الهدف قام رئيس إسلام كريموف ضمن أولى جولاته بعد الاستقلال بزيارة رسمية شملت كلاً من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية 1992، وأتبعها بزيارة لفلسطين عام 1998، تم خلالها الاتفاق على تبادل العلاقات الدبلوماسية، والتوقيع على مجموعة من الاتفاقيات الثنائية. وكان الرئيس ياسر عرفات القائد العربي الوحيد الذي زار أوزبكستان بعد الاستقلال. وكما سبق وأشرنا ففي أوزبكستان سفارات لمصر والسعودية والأردن والجزائر وفلسطين والكويت معتمدة ومقيمة في طشقند، وللمغرب واليمن سفير معتمد غير مقيم. ولأوزبكستان سفارات معتمدة مقيمة في مصر والسعودية وفلسطين، إضافة للتمثيل القنصلي المقيم في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وجدة بالمملكة العربية السعودية. كما ويمثل السفير الأوزبكستاني في القاهرة بلاده كسفير غير مقيم في الأردن.
وفي إطار العلاقات الدولية تدعم الدول العربية المبادرة الأوزبكستانية لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة النووية. وقد شاركت بعض الدول العربية في أعمال المؤتمر الدولي الذي عقد في أيلول/سبتمبر 1997 بطشقند لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة النووية. وأعلن فيه الوفد المصري أن إنشاء تلك المنطقة يعتبر حافزاً لإنشاء منطقة مماثلة في الشرق الأوسط.
كما وبدأت الدول العربية ببناء علاقات اقتصادية مع أوزبكستان، إلا أنها لم تزل محدودة رغم أهميتها. ولابد أن الأسباب تعود لتراجع الموارد المالية لدول الخليج العربية، أو لعدم الإلمام بالفرص الاستثمارية الكبيرة المتاحة في أوزبكستان. وهي نفس الأسباب التي نعتقد أنها وراء إحجام الدول العربية الخليجية عن الدخول بقوة في السوق الاستثمارية الأوزبكستانية، مكتفية بالأنشطة قصيرة الأجل في التجارة والمقاولات. أما بالنسبة لباقي الدول العربية فالمعضلة الرئيسية هي في نقص مواردها بالعملات الأجنبية، ولو أننا لا نعتبرها سبباً لأن المشكلة كان يمكن حلها عن طريق التبادل التجاري بالتقاص، الذي تحميه الدولة من قبل الجانبين ودون الحاجة للقطع الأجنبي. ومن صيغ الصفقات المتكافئة بين الدول العربية وأوزبكستان نورد ذكر الاتفاقية الموقعة عام 1992 بين مصر وأوزبكستان بقيمة 30 مليون دولار أمريكي.
وفي المجال الثقافي والديني فقد نشطت كلاً من الكويت والسعودية ومصر، من خلال الدور الذي يؤديه كلاً من الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في السعودية، وهيئة الإغاثة الكويتية الإسلامية التي افتتحت لها فرعاً في طشقند. إضافة لقيام أوزبكستان بإنشاء صندوق الإمام البخاري الدولي، الذي يخطط حالياً لإنشاء فروع له في مختلف الدول العربية والإسلامية.
العلاقات الثنائية العربية الأوزبكستانية: عند الحديث عن تطور العلاقات الثنائية الأوزبكستانية العربية يتحتم علينا الإشارة إلى عام 1962 عندما شهدت الأوساط الاجتماعية في أوزبكستان مولد جمعية الصداقة والعلاقات الثقافية مع الدول العربية. فمنذ ذلك العام بدأت تلك العلاقات عبر مركز الاتحاد السوفييتي السابق "موسكو"، وكانت الإطلالة الأولى التي أخذت بالتدريج بتعزيز العلاقات المشتركة عبر الدبلوماسية الشعبية بين أوزبكستان والدول العربية. وبدأت بالعلاقات الثنائية بين أوزبكستان ومصر في عام 1963 واستمرت بنجاح حتى برودها في عام 1977، وكان أهمها تآخي مدينة تشرتشك الأوزبكستانية في غمار بناء السد العالي في مصر مع مدينة أسوان، وتبادل الوفود الرسمية بين المدينتين المتآخيتين خلال أعوام 1965، 1972، 1975. بينما استمرت العلاقات بالتطور مع البلدان العربية الأخرى وخاصة سورية وفلسطين والأردن واليمن والكويت وعمان ودولة الإمارات العربية المتحدة والمغرب وتونس والعراق، حتى عادت علاقات الدبلوماسية الشعبية مع مصر للدفء بعد الزيارة التي قام بها أ.أ. يوسوبوف مدير عام مصانع "زينيت" الأوزبكستانية لمصر ضمن وفد جمعية الصداقة مع الدول العربية في عام 1990 للمشاركة في أعمال مؤتمر "السوق الاقتصادية الدولية والتأثير الاقتصادي المتبادل". وفي نفس العام وعلى عتبة الاستقلال قام المنصف الماي (من تونس) ممثل جامعة الدول العربية في موسكو بزيارة لأوزبكستان.
وبعد استقلال جمهورية أوزبكستان ومع اعتراف الدول العربية باستقلالها، وتبادل بعض الدول العربية للتمثيل الدبلوماسي معها، فتحت أفاقاً جديدة لتعزيز التعاون الثنائي المباشر، شمل الدبلوماسية العربية في إطار العلاقات الثقافية والصداقة أيضاً. وتم إدماج جمعية الصداقة والعلاقات الثقافية مع الدول الأجنبية مع جمعية "وطن" للعلاقات الثقافية مع المهاجرين الأوزبك المقيمين في الخارج وشكلتا معاً الرابطة الأوزبكستانية للعلاقات الثقافية والتربوية مع الدول الأجنبية، وتحولت هذه الرابطة في عام 1997 إلى مجلس جمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية مع الدول الأجنبية. وخطط المجلس لاستبدال رابطة الصداقة والعلاقات الثقافية مع الدول العربية، التي ترأسها آنذاك الدبلوماسي الأوزبكي بهادر عباسوفيتش عبد الرزاقوف بجمعيات للصداقة مع الدول العربية. وبالفعل تم تأسيس جمعيتين للصداقة مع مصر والأردن، ويجري التحضير الآن لتشكيل جمعيات للصداقة مع الدول العربية الأخرى. وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل من خلال استعراض العلاقات الثنائية لكل دولة من الدول العربية لاحقاً في هذا الفصل.
كما ويحافظ المجلس على علاقات ودية مع المواطنين من أصل أوزبكي في المملكة العربية السعودية وسورية وفلسطين والأردن ومصر منذ أواسط السبعينات، وبرزت من خلال مشاركة ممثلين عنهم في المؤتمر الشبابي الأول للمهاجرين الأوزبك من مختلف دول العالم الذي انعقد في طشقند عام 1992. وللوقوف على صورة واقعية عن العلاقات الثنائية العربية الأوزبكستانية، رأينا استعراضها لكل دولة عربية على حدى وفق التسلسل الأبجدي، في العرض السريع التالي:
العلاقات الثنائية الأردنية الأوزبكستانية: اعترفت المملكة الأردنية الهاشمية باستقلال جمهورية أوزبكستان في 28/12/1991، وفي 15/2/1993 تم التوقيع في طشقند على بروتوكول لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، أثناء الزيارة الرسمية لوفد أردني رفيع المستوى برئاسة الأمير رعد بن زيد. وفي تموز/يوليو 1994 افتتحت السفارة الأردنية في طشقند، وفي تشرين أول/أكتوبر من نفس العام تسلم الرئيس كريموف أوراق اعتماد وليد السعد البطاينة كأول سفير مفوض فوق العادة للملكة الأردنية الهاشمية في أوزبكستان. بينما اعتمدت جمهورية أوزبكستان في أيلول/سبتمبر 1996 شمس الدين بابا خانوف سفيرها في مصر كسفير غير مقيم في الأردن، بعد تسليمه لأوراق اعتماده للملك حسين بن طلال. وفي 19/6/2000 تسلم الملك عبد الله الثاني أوراق اعتماد صالح إنعاموف سفير أوزبكستان في مصر كسفير غير مقيم لبلاده في الأردن. وفي تشرين ثاني/نوفمبر 1996 قام وزير الخارجية الأوزبكستاني بزيارة للأردن تم خلالها التوقيع على اتفاقيتين للتعاون الاقتصادي والتجاري والنقل الجوي بين البلدين. وفي أيلول/سبتمبر 2000 قام الأمير الحسن بن طلال بزيارة لأوزبكستان شارك خلالها في المؤتمر الدولي "أديان العالم على طريق ثقافة السلام"، والتقى خلال الزيارة أتكور سلطانوف الوزير الأول، وحميد الله كرماتوف نائب الوزير الأول، وتبادل معهما الآراء حول إمكانيات تطوير العلاقات الثنائية بين أوزبكستان والأردن، والعلاقات في المجالات العلمية والثقافية والتعليمية. كما وزار الجامعة الإسلامية في طشقند.
وفي المجالات الاقتصادية: أقامت مجموعة من الشركات الأردنية معرضاً لمنتجاتها في طشقند في آب/أغسطس 1996. وبلغ حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان والأردن عام 1997 حوالي 4,5 مليون دولار أمريكي. وتعمل في أوزبكستان حوالي 12 شركة أوزبكستانية أردنية مشتركة، يسهم فيها الجانب الأردني بنسبة 70 %، والجانب الأوزبكستاني بنسبة 30 % من رأس المال المشترك. وخلال عام 1999 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 24,1 ألف دولار أمريكي، منها 23,7 صادرات، و0,4 واردات. وسجلت خلال العام 8 شركات بمساهمة ممولين أردنيين، منها 4 شركات مشتركة أوزبكستانية أردنية، و4 شركات برأس مال أردني 100%. ووفق معطيات إدارة الإحصاء الحكومية الأوزبكستانية بلغ حجم أعمال الشركات التي يساهم فيها مستثمرون أردنيون 7,5 ألف دولار أمريكي.
وفي المجالات الثقافية والعلمية: يدرس في الجامعات الأوزبكستانية حالياً حوالي 150 طالباً أردنياً. وهناك علاقات تعاون بين مؤسسات التعليم العالي في البلدين، ومن بينها التعاون القائم بين جامعة العلاقات الاقتصادية الدولية والدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الأوزبكستانية، وأكاديمية بناء الدولة والمجتمع التابعة لجهاز رئيس الجمهورية، والمعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الأردنية. وفي عام 1996 وقعت اتفاقية بين البلدين حول المساهمة في إعادة بناء المساجد وأضرحة الصحابة في أوزبكستان.
وفي مجال الدبلوماسية الشعبية: تم بالتعاون بين السفارة الأردنية في طشقند والمجلس الأوزبكستاني لجمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية مع الدول الأجنبية، في عام 1998 تأسيس جمعية الصداقة الأوزبكستانية الأردنية برئاسة خديقول جماييف نائب رئيس المؤسسة الوطنية للبترول والغاز في أوزبكستان، وبدأت الجمعية نشاطاتها الفعلية اعتبارا من كانون ثاني/يناير 1999. وأثناء اللقاء الذي عقد بمبادرة من المؤسسة الوطنية للبترول والغاز في أوزبكستان مع أعضاء السفارة الأردنية في طشقند تم الاتفاق على برنامج شامل لتطوير العلاقات الثقافية الأوزبكستانية الأردنية، ومن ضمنها الاحتفال بيوم استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، الذي جرى في قاعة الاحتفالات بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية في 25/5/1999 وشارك فيه السفير الأردني وليد مجيد السعد البطاينة وأعضاء السفارات الأردنية والمصرية والجزائرية والفلسطينية والسعودية في طشقند، وأعضاء جمعية الصداقة الأوزبكستانية الأردنية وطلاب الجامعة. وقام الفنانون التشكيليون الأوزبكستانيون بالمناسبة بتنظيم معرض للفنون التشكيلية، بحضور ومشاركة الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية.
العلاقات الثنائية الإماراتية الأوزبكستانية: اعترفت دولة الإمارات العربية المتحدة باستقلال جمهورية أوزبكستان في 26/12/1991، وأتفق على إقامة العلاقات الدبلوماسية في 25/10/1992. وبدأت العلاقات بالتعاون الثنائي مع إمارتي دبي والشارقة. وفي تشرين ثاني/نوفمبر 1992 افتتحت أوزبكستان قنصلية لها في دبي، وكانت من أولى ممثليات الدبلوماسية الأوزبكستانية في الخارج، وفي آذار/مارس 1994 تم رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي فيها إلى قنصلية عامة. وفي شباط/فبراير 1992 بدأت "الخطوط الجوية الأوزبكستانية" بتسيير خط جوي منتظم ومباشر بين طشقند والشارقة؛ وفي كانون أول/ديسمبر 1992 شاركت أوزبكستان في معرض "إكسبو 92" الدولي في دبي؛ وفي الفترة الممتدة مابين 20و22/12/1994 قام وفد رسمي عن حكومة إمارة دبي بزيارة أوزبكستان، وأثناء الزيارة التقى الوفد الضيف بالمسؤولين في وزارات الخارجية، والعلاقات الاقتصادية الخارجية، ومؤسسة السياحة الوطنية "أوزبك توريزم"، ومؤسسة الطيران الوطنية "أوزبكستان هوا يولاري"، والبنك الوطني، وإدارة أملاك الدولة. وفي أيار/مايو 1997 قام وزير الداخلية الأوزبكستاني باطير بربييف بزيارة لإمارة دبي، تم خلالها التوقيع على مذكرة تفاهم بين وزارة الداخلية الأوزبكستانية، والقيادة العامة لشرطة دبي، أعقبتها زيارة القائد العام لشرطة دبي لأوزبكستان خلال تشرين أول/أكتوبر وتشرين ثاني/نوفمبر 1997. ومن تشرين ثاني/نوفمبر 1997 طورت العلاقات الثنائية على المستوى الاتحادي، حيث قام نائب الوزير الأول الأوزبكستاني بختيار حميدوف بزيارة رسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة التقى خلالها بنظيره الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة، وشارك خلال الزيارة في أعمال مؤتمر لرجال الأعمال. تم خلاله التوقيع على بروتوكولات للتعاون بين الشركات الأوزبكستانية والإماراتية. سبقه في آذار/مارس 1997 مؤتمر مماثل في دبي عن فرص الاستثمار في أوزبكستان. وفي تشرين ثاني/نوفمبر 1998 زار وزير الخارجية الأوزبكستاني البروفيسور عبد العزيز كاميلوف دولة الإمارات العربية المتحدة، وتم خلال الزيارة توقيع اتفاقية للنقل الجوي، واتفاقية لحماية الاستثمارات.
وفي المجالات الاقتصادية: وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 1997 إلى 75,671 مليون دولار أمريكي، وهو أعلى مستوى للتبادل التجاري بين أوزبكستان وأية دولة عربية أخرى. ويميل ميزان التبادل التجاري بين البلدين لصالح دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ بلغ حجم صادراتها في نفس العام 64,680 مليون دولار أمريكي نتيجة لتجارة إعادة التصدير من إمارة دبي. بواسطة الشركات التجارية المشتركة بين البلدين. وخلال عام 1999 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 43,053,5 مليون دولار أمريكي، منها 8,637,6 مليون دولار أمريكي صادرات، و 34,415,9 مليون دولار أمريكي واردات.
وفي المجالات الثقافية والعلمية: صدر في دولة الإمارات العربية المتحدة كتاب إسلام كريموف "أوزبكستان على طريق الانبعاث الروحي"، الذي كتب مقدمته للقارئ العربي الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم، الذي تبرع لدعم الجامعة الإسلامية في طشقند بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي عند افتتاحها في عام 1999، وبمبلغ 150 ألف دولار أمريكي في عام 2000، أثناء زيارته لها. كما وقام وفد عن جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكستانية برئاسة نائب رئيس الجامعة للعلاقات الدولية، بزيارة لجامعة الإمارات العربية المتحدة في نهاية عام 1998 للبحث في أوجه التعاون العلمي والثقافي المشترك. وفي نيسان/أبريل 2000 زارت الدكتورة فاطمة الصايغ رئيسة قسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات العربية المتحدة، جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية وألقت سلسلة من المحاضرات أمام هيئة التدريس وطلاب الجامعة التي يدرس فيها طالب إماراتي واحد العلاقات الدولية.وفي تشرين ثاني/أكتوبر من نفس العام زار جامعة الإمارات العربية المتحدة البروفيسور تيمور مختاروف، وأ. د. محمد البخاري من جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية ألقوا خلالها سلسلة من المحاضرات عن أوزبكستان.
العلاقات الثنائية البحرينية الأوزبكستانية: اعترفت دولة البحرين باستقلال جمهورية أوزبكستان في 28 كانون أول/ديسمبر 1991، وفي 29 أيار/مايو 1992 تم التوقيع على بروتوكول لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين.
العلاقات الثنائية التونسية الأوزبكستانية: اعترفت الجمهورية التونسية باستقلال جمهورية أوزبكستان في 26/12/1991، وفي 26/11/1992 تم التوقيع على بروتوكول لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين.
وفي مجال الدبلوماسية الشعبية: قام العالم الأوزبكي المستعرب م.يو. من معهد الاستشراق في أكاديمية العلوم الأوزبكستانية بزيارة لها ضمن وفد من جمعية الصداقة الأوزبكية العربية في أيار/مايو 1990. وفي نفس العام زار أوزبكستان السفير التونسي في الاتحاد السوفييتي السابق على رأس وفد ضم رشيد دريز مدير مركز الأبحاث الدولية التونسي، ومصطفى عون عضو الأكاديمية الدولية للعمارة. إضافة لوفد برلماني تونسي.
العلاقات الثنائية الجزائرية الأوزبكستانية: اعترفت الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية باستقلال جمهورية أوزبكستان في 26/12/1991، وتم التوقيع على بروتوكول تبادل العلاقات الدبلوماسية في 30/6/1992. وفي عام 1993 قدم عامر عقلي أوراق اعتماده للرئيس كريموف كأول سفير مفوض فوق العادة لبلاده مقيم في أوزبكستان. وفي 21/6/2001 قدم حسان العسكري أوراق اعتماده للرئيس كريموف كسفير مفوض فوق العادة لبلاده مقيم في أوزبكستان.
وفي المجالات العلمية والتقنية: تقوم أوزبكستان بتدريب الكوادر الجزائرية في مؤسساتها العلمية، إضافة للعلاقات القائمة بين معهد البحوث المائية بأكاديمية العلوم الأوزبكستانية، والمعهد العالي للري بمدينة بليدة الجزائرية. وفي عام 1996 اشترت الجزائر طائرتي نقل طراز (IL 76) من إنتاج أوزبكستان، ويجري البحث للتوصل إلى اتفاقية تقوم بموجبها أوزبكستان بصيانة طائرات الخطوط الجوية الجزائرية.
وفي مجال الدبلوماسية الشعبية: شارك الفنان الشعبي الجزائري محمد الفرغاني وفرقته الفنية في أب/أغسطس 2001 في مهرجان سمرقند الدولي للموسيقى الشرقية، بدعوة من المجلس الأوزبكستاني لجمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية والتربوية مع الدول الأجنبية، ووزارة الشؤون الثقافية الأوزبكستانية، وحصل على جائزة المهرجان التقديرية.
العلاقات الثنائية الجيبوتية الأوزبكستانية: اعترفت جمهورية جيبوتي رسمياً باستقلال جمهورية أوزبكستان في 6/1/1992.
العلاقات الثنائية السعودية الأوزبكستانية: اعترفت المملكة العربية السعودية رسمياً باستقلال جمهورية أوزبكستان في 30/12/1991، وفي 20/2 1992 تم توقيع مذكرة تفاهم حول تبادل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وفي نيسان/أبريل 1992 قام الرئيس إسلام كريموف بزيارة رسمية للمملكة العربية السعودية؛ أعقبها في تشرين ثاني/نوفمبر 1992 افتتاح قنصلية أوزبكستانية في جدة، وفي أيار/مايو 1995 السفارة الأوزبكستانية في الرياض، وأثناء زيارة وزير الخارجية الأوزبكستانية البروفيسور عبد العزيز كاميلوف للمملكة، تم في 25 جماد الثاني 1416 هـ الموافق لـ 18/11 1995 التوقيع على اتفاقية عامة شملت التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والثقافية والرياضة والشباب بين البلدين، وقعها عن الجانب السعودي صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية، وعن الجانب الأوزبكي معالي البروفيسور عبد العزيز كاميلوف وزير خارجية جمهورية أوزبكستان. وفي 27/3/1997 تم افتتاح سفارة المملكة العربية السعودية في طشقند، وقدم أبو بكر عباس رفيع أوراق اعتماده كأول سفير للمملكة العربية السعودية في أوزبكستان بتاريخ 6/6/1997.
وفي المجالات الاقتصادية: قدمت المملكة العربية السعودية في عام 1992 معونة اقتصادية لأوزبكستان شملت 800 ألف طن من القمح؛ وفي عام 1997 أسست مجموعة من رجال الأعمال السعوديين "الشركة الدولية للاستثمارات في دول آسيا المركزية"، وفي حزيران/يونيو من نفس العام زار وفد من الشركة أوزبكستان لتنشيط المشروعات الاستثمارية المشتركة، وتم خلال الزيارة الاتفاق على إقامة جملة من المشاريع الاستثمارية المشتركة في مجالات الصناعات الغذائية والتشييد والبناء. والتفاوض على إنشاء شركة أوزبكستانية سعودية مشتركة لإنتاج الأنابيب البلاستيكية في أوزبكستان؛ وبدأت المفاوضات لإنشاء لجنة مشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي بين الدولتين، بعد أن وصل مؤشر التبادل التجاري بين الجانبين الأوزبكستاني والسعودي 2,83 مليون دولار أمريكي عام 1997، وبلوغ الصادرات الأوزبكستانية إلى المملكة 1,442 مليون دولار أمريكي في نفس العام. وفي 18/8/1999 قام أسامة بن جعفر فقيه وزير التجارة السعودي أوزبكستان للمشاركة في الدورة الأولى للجنة السعودية الأوزبكية المشتركة لمتابعة تنفيذ الاتفاقية المبرمة بين البلدين، والتي يرأسها عن الجانب الأوزبكي أبرار عثمانوف نائب الوزير الأول. وسجل مؤشر التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 1999 ارتفاعا ملحوظاً حيث بلغ 3,678,6 مليون دولار أمريكي، منها 2,080,1 مليون دولار أمريكي صادرات، و1,598,5 مليون دولار أمريكي واردات. ومسجل في قيود وزارة العلاقات الاقتصادية الخارجية الأوزبكستانية في الوقت الحاضر 7 شركات بمشاركة سعودية، منها 4 شركات مشتركة، و3 شركات برأس مال سعودي 100%. إضافة لممثلية "مجموعة دار السلام" السعودية التي تعمل في مجال إنتاج وبيع الألعاب، والمواد الغذائية، وتجارة القمح، والمعدات الطبية، والسياحة. إضافة للشركة الأوزبكستانية السعودية المشتركة "م س فود بروغريسينغ كو" التي يشارك فيها المستثمر السعودي الشيخ محمد سعيد، وقامت بتجديد معدات وتوسيع مصنع الكونسروة القائم في فرغانة. والمصنع الذي أصبح بإمكانه تصنيع مابين 70 إلى 80 طن من الخضار والفواكه، وينتج حوالي 20 صنفاً من المعلبات والعصير بعد إدخال أحدث المعدات التكنولوجية الأمريكية والإيطالية على خطوطه الإنتاجية، وأتاح التجديد 350 فرصة عمل جديدة ليصبح عدد العاملين فيه 647 عاملاً. وتم افتتاحه بتاريخ 22/7/2000 بحضور المسؤولين الأوزبك وسفير المملكة وعدد كبير من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في أوزبكستان.
وفي المجال العلمي والثقافي: زار خالد العنقري وزير التعليم العالي السعودي أوزبكستان في تشرين أول/أكتوبر 1997 على رأس وفد رسمي كبير ضم بعض رؤساء الجامعات في المملكة من بينهم الأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد الفيصل مدير جامعة الملك سعود، والأستاذ الدكتور غازي عبيد مدني مدير جامعة الملك عبد العزيز، والأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الدخيل مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وسبق الزيارة قيام الأستاذ الدكتور نعمة الله إبراهيموف رئيس معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، بزيارة للملكة في حزيران/يونيو من نفس العام، وأعارت الجامعة اثنين من مدرسيها يعملان حالياً في جامعات المملكة. ويدرس عدد من الطلاب الأوزبك في الجامعات السعودية. كما وتقوم بعض الهيئات السعودية بتقديم المعونة للمؤسسات الإسلامية الأوزبكستانية في مجال طباعة الكتب الدينية باللغتين العربية والأوزبكية، وفي ترميم المساجد، ودعم الجامعة الحكومية الإسلامية في طشقند التي فتحت أبوابها في أيلول/سبتمبر 1999. كما وأصدرت مجموعة دار السلام السعودية ومطابع السروات بجدة كتاب الرئيس إسلام كريموف "أوزبكستان على طريق المستقبل العظيم" الذي ترجمه إلى اللغة العربية أ.د. محمد البخاري عام 1999. وفي الفترة من 18-25/5/2000 زار أوزبكستان وفد من وزارة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، برئاسة الدكتور خالد عبد الرحمن الحمودي وكيل جامعة الملك سعود في الرياض.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق