الأحد، 23 أغسطس، 2009

الصناعات البترولية في أوزبكستان

الصناعات البترولية في أوزبكستان
بقلم: أ.د. محمد البخاري: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية
كانت أوزبكستان ولم تزل حتى الوقت الراهن من كبار مصدري الغاز الطبيعي بين دول رابطة الدول المستقلة، الذي تستورده منها حتى الآن بعض تلك الدول، ليشكل بذلك واحداً من عوامل استقرار الدخل الوطني الأوزبكي. ومعروف أن أوزبكستان كانت ولقبل عشر سنوات مضت تستورد سنوياً لسد احتياجات استهلاكها المحلي من المشتقات البترولية أكثر من 6 ملايين طن من البترول.
ولكن الصورة تبدلت مع عام 1995 عندما سجل مؤشر الإنتاج إلى استخراج كمية 7,6 مليون طن من البترول والغاز المضغوط،
[1] وعام 1997 عندما بدأت أكبر مصفاة للبترول في بخارى إنتاجها من المشتقات البترولية، وأصبحت أوزبكستان ومنذ ذلك الحين تحقق بالتدريج الاكتفاء الذاتي من احتياجاتها الأساسية من الوقود اللازم للاستهلاك المحلي، لا بل وتصدير قسم منه للخارج.
وسبب تبدل الوضع ذلك كان بعد اكتشاف الآبار الكبيرة المنتجة للبترول في ولاية قشقاداريا جنوب أوزبكستان، ووادي فرغانة شمال شرق البلاد مع باكورة الاستقلال التي أخذت تبشر بتبدل الوضع والتوسع في استثمار الثروة البترولية الوطنية لحد الوصول للاكتفاء الذاتي بإنتاج المشتقات البترولية التي كانت أوزبكستان ولفترة قريبة تستوردها من روسيا وقازاقستان.
ولا تخفي تصريحات المسؤولين الأوزبك طموحاتهم في أن تصبح جمهورية أوزبكستان في المستقبل من بين الدول المصدرة للبترول ومشتقاته، ولمنتجات الصناعات البتروكيماوية. ومما بعث هذا الأمل الاحتياطي الكبير للبترول في الآبار التي اكتشفت بعد الاستقلال، ومن بينها البئر المكتشفة في منطقة منغبولاق في وادي فرغانة عام 1992 والذي بلغ إنتاجه تحث تأثير الضغط الطبيعي عشرة آلاف متراً مكعباً من النفط الخام في اليوم إلى أن تمت السيطرة عليه، ووضعه قيد الاستثمار الفعلي.
ووفقاً لنتائج أعمال التنقيب الجارية، وتقديرات الأخصائيين يحوي باطن الأرض في جمهورية أوزبكستان كميات كبيرة من مصادر الطاقة: البترول والغاز والفحم الحجري، وأن حوالي 60 % من أراضي الجمهورية صالحة لإنتاجها اقتصاديا. إذ يبلغ احتياطي الغاز 2 ترليون متر مكعب، ومن الفحم الحجري أكثر من 2 مليار طن، إضافة لأكثر من 160 موقعاً منتجاً للبترول الخام.
ويمكننا على سبيل المثال ذكر خمسة مناطق رئيسية لإنتاج البترول الخام والغاز الطبيعي في أوزبكستان، وهي: مناطق: أوستيورط، ومنطقة بخارى، ومنطقة خيوة، ومنطقة جنوب غرب غيسارة، ومنطقة سورخانداريا، ومنطقة فرغانة. وحسب التقديرات الحالية للخبراء تقدر قيمة احتياطي البترول الخام والغاز الطبيعي بأكثر من ترليون دولار أمريكي.
وتعتبر آبار شورتان ومبارك من أكبر المواقع المنتجة للغاز الطبيعي في الجمهورية بالمقارنة مع آبار جنوب غرب غيسارة وبخارى وخيوة. ويحتوي الغاز الطبيعي المنتج في الجمهورية على "الإيتان" و"البروبان" و"البوتان"، وغيرها من عناصر الغاز الطبيعي، الصالحة للحصول صناعياً على مواد "البولومير"، و"البولي إيتلين" و"البوليوي نيلخلوريد" وغيرها من الخامات الصناعية. وبالإضافة إلى غاز "البروبان" ينتج المجمع الكيميائي في شرتان حمض "نيتريل أكريل" الصالح لإنتاج خيوط "النيترون".
ومنذ باكورة الاستقلال عام 1991 وحتى اليوم نرى ثبات في النهج الذي تتبعه القيادة الأوزبكستانية والمتوجه نحو تشجيع مشاركة رؤوس الأموال الأجنبية في مجال استثمار ثروات باطن الأرض، سعياً منها للنهوض باقتصادها الوطني، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود، ونلمس هذا في تصريحات رئيس الجمهورية إسلام كريموف الذي أكد أكثر من مرة على أن "أوزبكستان تفتح أبوابها للمستثمرين الأجانب الذين يقدمون للجمهورية الفتية التكنولوجيا المتقدمة، ليساهموا في بناء البنية الحديثة للاقتصاد الوطني الأوزبكستاني".
ولم تخف القيادة الأوزبكستانية وفي أكثر من مناسبة تطلعها لتحقيق تعاون استثماري فعال مع كافة دول العالم وخاصة الدول العربية وفي طليعتها مجموعة الدول العربية الخليجية المنتجة للبترول، تلك العلاقات التي كان متوقعاً أن تعزز بعد استقلال أوزبكستان لتتيح لها البدائل المطلوبة لتحقيق سياسة خارجية متوازنة تضمن مصالحها الوطنية. وترجمت القيادة الأوزبكستانية تطلعها ذلك بالزيارتين التاريخيتين لرئيس الجمهورية إسلام كريموف للمملكة العربية السعودية ومصر عام 1992، ووضع قاعدة قانونية ملائمة لمشاركة المستثمرين الأجانب، في استثمار وتطوير استخراج وتصنيع الثروات الباطنية والطبيعية في أوزبكستان بهدف النهوض بالاقتصاد الوطني الذي كان لم يزل يعاني من آثار المرحلة الانتقالية بعد الاستقلال.
ومن ثمار التعاون مع المستثمرين الأجانب كانت محطة الضغط التي شيدت في كوكدومولاك، ودخلت حيز العمل في أواسط عام 1997، وقد صرح حينها الرئيس إسلام كريموف للصحفيين بأن "المقدرات البترولية والغاز في الجمهورية تفتح أمام أوزبكستان إمكانيات وآفاق من أجل تعزيز الاستقلال في مجال الطاقة لأوزبكستان في المستقبل، وتحقيق الاستقرار للتطور الاجتماعي والاقتصادي والرفاهية للشعب الأوزبكي".
وكان قد شارك في بناء محطة الضغط تلك وتركيب معداتها مؤسسات مالية دولية كبيرة، وشركات أجنبية معروفة من بينها "دريسر-ريند" و"كيلوك" الأمريكية، والشركة الهندسية "بيتمان"، والشركة اليابانية "كيشو إيفاي".
ولدعم خطوات الإصلاح الاقتصادي في مجال إنتاج الطاقة أصدر الرئيس كريموف في عام 1999 قراراً بتحويل الاتحاد الوطني للصناعات البترولية "أوزبك نيفتي غاز" إلى شركة هولدينغ وطنية، ارتبطت بتأسيسها الإجراءات الجذرية للإصلاحات اللاحقة التي تمت في هذا المجال الهام من الاقتصاد الوطني الأوزبكستاني.
وفي تصريح لنور الدين زينييف مدير حقول النفط والغاز بمنطقة مبارك بولاية قشقاداريا،
[2] لصحيفة نارودنويه صلوفا نشرته في عددها الصادر يوم 13/12/2001 قال أن الحقول التي يديرها تنتج القسم الأكبر من البترول الخام والغاز الطبيعي في الجمهورية، وأن قسماً منها يستخرج من حقول كوكدومالاك. وأضاف أن مصفاة "مبارك غاز" لتكرير البترول الخام، ومصفاة البترول في فرغانة شمال شرق الجمهورية عملياً يزودان البلاد اليوم باحتياجاتها من المشتقات البترولية. وأشار إلى أهمية محطة الضغط في كوكدومولاك التي مكنت من دفع كميات كبيرة من الغاز والبترول لسطح الأرض، الأمر الذي يسمح بالاحتفاظ بمستوى إنتاج تلك الآبار لفترة أطول، بل وزيادة وتحسين إنتاجها.
ومعروف أن استخراج البترول الخام في أوزبكستان حالياً يتم إضافة لآبار كوكدومولاك في كوروك، وجنوب كيماتشي، وأوميد، وأولون، وكلتوغ، وباموك، ودينغيزكول، وسرداب، وفي غيرها من حقول البترول المنتشرة في أنحاء مختلفة من الجمهورية.
وإضافة للآبار المكتشفة والمغلقة حالياً بانتظار التمويل والمستثمرين والشركاء الأجانب، لأن العمل لاستخراج البترول الخام والغاز الطبيعي من تلك الآبار المغلقة يحتاج لاستثمارات كبيرة غير متوفرة حالياً بسبب الظروف التي يعاني منها الاقتصاد الوطني في تلبية احتياجات التطور الاجتماعي الشامل. يجري العمل في حقول الإنتاج التي يتم استثمارها بمشاركة مستثمرين أجانب مثال: آبار البترول الخام والغاز الطبيعي في أورتابولاق، حيث يجري استخراج البترول الخام والغاز الطبيعي بمشاركة الشركة البريطانية "بيكر هيوز"، والعمل جار هناك بشكل مشترك على توسيع استخراج البترول الخام.
ومن الملفت للنظر في الآونة الأخيرة ازدياد اهتمام روسيا في عمليات استخراج البترول الخام والغاز الطبيعي في العديد من مناطق إنتاجهما في جمهورية أوزبكستان، إذ يجري حالياً العمل على إعداد اتفاقية للتعاون الثنائي في هذا المجال يشمل حقول البترول الخام في مناطق كيماتشي وأوميد. خاصة بعد أن أصدر البرلمان الأوزبكستاني في 7/12/2001 قانون خاص "لاتفاقيات اقتسام الإنتاج"، والذي بموجبه تنفتح آفاقاً واسعة أمام الاستثمارات الأجنبية، حيث يؤمن القانون المذكور حماية للاتفاقيات الموقعة ويوفر إمكانيات كبيرة أمام المستثمرين الأجانب ليساهموا في مجالات شق الطرق، والأعمال الهندسية، والاستطلاع الجيولوجي، والبحث والتنقيب لتحديد أماكن تواجد البترول الخام والغاز الطبيعي، بضمانات تقدمها الدولة وتضمن حقوق المستثمرين الأجانب.
ومنذ مدة قصيرة أعلن عن التوقيع على اتفاقية للتعاون بين الجانب الأوزبكستاني وشركاء من الصين، يتم بموجبها تطبيق أسلوب الحفر الأفقي الذي يوفر لأوزبكستان إمكانية مضاعفة إنتاجها من البترول الخام لثلاث مرات عما هو عليه الآن.
ومن دعائم الاكتفاء الذاتي من المشتقات البترولية كان تنفيذ القرار الحكومي القاضي بتطوير وإعادة النظر في الطرق الإنتاجية والمنتجات التي كانت تنتجها مصفاة تكرير البترول في فرغانة. وقد تم بالفعل تجديد المصفاة بعد أن أعلن عن مناقصة دولية فازت بنتيجتها الشركة اليابانية "ميتسوي"، وقام بتمويل المشروع البنك الياباني "إكسيم بانك"، وبنك الإعمار والتنمية الأوروبي، بينما قام بتنفيذ الأعمال الإنشائية كلاً من الشركة اليابانية "تويو إنجينيرينغ"، والشركة التركية "تيكنيب" وهي الشركة المعروفة لدى منتجي مشتقات البترول في ألمانيا، وجورجيا، والمملكة العربية السعودية وغيرها من بلدان العالم، من خلال الأعمال التي نفذتها هناك في مجال الحفر ومد الأنابيب. ومنذ العام 1996 بدأت أعمال تشييد وبناء واسعة، تمكن الأتراك بنتيجتها من تنفيذ تعهداتهم في الموعد المحدد من عام 2000.
وتمكنت المصفاة عند بدأ العمل من تخفيض نسبة النفط الخام المتبقية في وقود الديزل المنتج في المصفاة إلى نسبة تتراوح مابين 0,5 و0,3 % فقط. والأهم من كل ذلك أن البترول الخام الذي كان يجلب لهذه المصفاة من روسيا وغرب سيبيريا، أصبح يجلب للمصفاة من آبار البترول في منغيبولاق وكوكدومالاك وشورتان.
ومع دخول مصافي البترول العاملة في الجمهورية حيز الإنتاج الفعلي تمكنت الجمهورية ومنذ استقلالها من تأمين احتياجات استهلاكها من المشتقات البترولية ذاتياً، من خلال مشاريع التنمية الوطنية الخاصة بها بعد أن تخلصت من التخطيط المركزي الذي كان يفرض عليها قبل الاستقلال من موسكو التي كانت تحدد حتى أنواع وحجم المشتقات البترولية التي يمكن إنتاجها في أوزبكستان، والتي كانت محصورة آنذاك بإنتاج البنزين والكيروسين والمازوت. إذ أن مصفاة فرغانة فقط تنتج اليوم أكثر من خمسين مادة من المشتقات البترولية، تصدر قسماً منها في الوقت الحاضر إلى أكثر من عشر دول أجنبية من بينها روسيا، وأوكرانيا، وطاجيكستان، وقرغيزستان، وتركيا، وسلوفاكيا، وإيران، وملدوفا.
والاهتمام الأكبر منصب اليوم في أوزبكستان على إنتاج الزيوت والدهون المعدنية لسد احتياجات صناعة السيارات القائمة في أوزبكستان. بالإضافة للخطط القاضية في المستقبل بإنتاج ستة أصناف جديدة من الزيوت المعدنية من بينها "فرليتا"، و"فيرغانون SAE-30"، ومن أجل هذا الهدف تم التوصل إلى اتفاقية لإنشاء شركة مشتركة بين الاتحاد العلمي الروسي "كواليتيت" والمؤسسة الأوزبكستانية "أوزفارموي"، تنص على تزويد الشركة المشتركة بالمعدات التكنولوجية الحديثة وبعض مكونات الإنتاج الأولية خلال المرحلة الأولى من الإنتاج المشترك الذي ينتظر أن تبلغ طاقته 9,5 ألف طن من الزيوت المعدنية عالية الجودة، تبلغ قيمتها 8 مليون و 750 ألف دولاراً أمريكياً، بربح قدره 2 مليون و250 ألف دولاراً أمريكياً.
وليس سراً على أحد أن الدول العربية المنتجة للبترول الخام والغاز الطبيعي تملك خبرات واسعة في مجال الصناعات البترولية، والصناعات البتروكيميائية المتطورة، وتتصدر قائمة المصدرين العالميين لهذه المادة الإستراتيجية الهامة، وهو الأمر الذي يسمح لنا أن نعتبر مجال الشراكة والتعاون المشترك بين أوزبكستان والدول العربية المنتجة للبترول في إنتاج وتصنيع البترول الخام ومشتقاته، وإنتاج الغاز الطبيعي، وفي مجال الصناعات البتروكيميائية من المجالات الحيوية للتعاون العربي الأوزبكستاني، ومجالاً رحباً لتوظيف رؤوس الأموال العربية في المشروعات الحكومية الأوزبكستانية التي يمكن أن تدخل فيها الخبرات العربية والأوزبكستانية أيضاً في الإدارة والتشييد والتدريب والاستثمار والتسويق على حد سواء.
الأحد، 06/01/ 2002
هوامش:
[1] عالم نوربيكوف: صناعات البترول والغاز تتطور. طشقند: برافدا فاستوكا، 17/1/2002.
[2] شهرت جباروف، نارزوالله رفشانوف، نبي جان صابر: ثروات باطن الأرض. طشقند: نارودنويه صلوفا، 13/12/2001.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق