الأحد، 23 أغسطس، 2009

إلى أين وصلت مشكلة بحر الأورال ؟

إلى أين وصلت مشكلة بحر الأورال ؟
محمد البخاري: مواطن عربي سوري مقيم في أوزبكستان، دكتوراه علوم في العلوم السياسية، اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. بروفيسور قسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانون بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية.
بحر الأورال عبارة عن بحيرة مغلقة للمياه المالحة تقع في جنوب غرب وسط آسيا، وتتقاسم شواطئه جمهورية كازاخستان من الشمال وتصب منها مياه نهر سرداريا، وجهورية أوزبكستان وتمتد شواطئها عليه مسافة 420 كم من الجنوب وتصب فيها مياه نهر أموداريا، وكانت مساحة سطحه المائي تبلغ عند مستوى عمق 53 متراً 66.100 مليون متر مربع، وعمقه الوسطي يصل إلى مابين 16.1 متراً، إلى 69 متراً. وأقصى طول له كان 492 كم، وأقصى عرض له كان 292 كم، وبلغ حجم مخزونه من المياه 1.062 مليون متراً مكعباً، وتراوحت نسبة الملوحة في مياهه ما بين الـ 11 و 13 %.
وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1962 و 1978 انخفض مستوى مياه بحر الأورال إلى 6 أمتار أي ما يعادل 0.41 متراً في السنة، وأدى ذلك الانخفاض إلى تقلص مساحته لأكثر من 10 ملايين متر مربع، وإلى انخفاض مخزون المياه فيه إلى 352 ألف متر مكعب، وتزايد تركز الأملاح المعدنية في مياهه إلى 20 %.
وهكذا تحول بحر الأورال من رابع بحيرة مغلقة في العالم، إلى ثلاثة بحيرات منفصلة عالية الملوحة بعد جفاف القسم الأكبر من مياهه، ليصبح ثامن بحيرة مغلقة في العالم.
وانخفض منسوب المياه فيه من 70 متر إلى 12 متر، وتقلصت مساحته الإجمالية إلى 30 مليون متر مربع ، وتراجعت شواطئه لأكثر من 70 كيلو متر عما كانت عليه في السابق، بعد الانخفاض الشديد في غزارة المياه التي تصبها فيه نهري سرداريا من الشمال وأموداريا من الجنوب لتتراوح اليوم إلى ما بين 60 ألف متراً مكعباً من المياه إلى الصفر في بعض الأحيان.
والسبب الوحيد هو استخدام مياه الأنهار بكثرة في الري بعد زيادة الطلب على مياه الري اثر التوسع الكبير بمساحات الأراضي الزراعية التي تحتاج لمياه الري من 3 ملايين هكتار قبل بدء جفافه، إلى 8 ملايين هكتار لتكون العامل الرئيسي لجفاف مياهه.
وبالتالي أدى ذلك إلى تدهور الإنتاج الزراعي في المناطق الجنوبية من حوض الأورال الواقعة ضمن أراضي جمهورية أوزبكستان بسبب تبخر المياه وزيادة ترسب الأملاح في التربة الزراعية، وأدى إلى تقلص مساحة الأراضي الزراعية من 550 ألف هكتار إلى 20 ألف هكتار، وإلى جفاف نحو 50 بحيرة كانت موجودة في دلتا نهر أموداريا.
مما انعكس سلباً على الحياة النباتية والحيوانية الطبيعية في شمال دلتا نهر أموداريا. ولم يبق من أصناف الأسماك العشرين التي كانت تعيش في مياهه سوى 4 فقط، وأدت الآثار السلبية لتقلص الثروة السمكية في بحر الأورال إلى توقف الصيد التجاري للأسماك بعد تقلص الثروة السمكية فيه من 50.000 طن إلى 3.000 طن.
وهكذا فقد آلاف الصيادين مصادر رزقهم الرئيسية وأدى ذلك لتوقف صناعة تعليب الأسماك التي كانت قائمة في مدينة موناك على شاطئ بحر الأورال في جمهورية قره قلباقستان، وأصبحت هذه المدينة التي كانت في يوم من الأيام مرفأ ساحلياً هاماً تبعد عنه عشرات الكيلومترات.
كما ودمرت الدورة المناخية تماماً ولم يعد يؤدي بحر الأورال دوره المناخي في تلطيف الجو صيفاً وشتاءاً، ليتحول فصل الصيف في المنطقة إلى صيف حار جداً تنعدم فيه مياه الأمطار، وليتحول فصل الشتاء إلى فصل طويل شديد البرودة بسبب الرياح الآتية من المناطق السيبيرية.
وأصبحت الثلاثة ملايين هكتار المكشوفة من قاع البحر بعد جفاف المياه من فوقها مصدراً للأملاح ومخلفات المبيدات الحشرية والمواد الكيماوية الأخرى المترسبة فيها والتي كانت تستخدم في الزراعة بالإضافة لاستخدام بعض جزره أثناء الحكم السوفييتي في تجارب الأسلحة الكيميائية والجرثومية كما توضح على لسان المسؤولين بعد الاستقلال،
[1] ويقدر الخبراء كمية المخلفات بـ 70 مليون طن، تنقلها الرياح إلى الأراضي الزراعية المجاورة.
وكل ذلك سبب كارثة صحية تتحدث الأرقام عنها، وتشير الإحصائيات في أوزبكستان إلى أن نسبة الوفيات أصبحت تعادل 120 شخصاً من كل مئة ألف نسمة، بالإضافة لوفاة 60 طفلاً من كل ألف طفل.
ويعزي الخبراء أسباب ذلك إلى التلوث الشديد للمياه والمزروعات في المنطقة، وإلى زيادة تركز الرصاص والزنك في دماء سكان المنطقة، وانتشار أمراض الكلي والكبد والسرطان والغدة الدرقية والتهاب المفاصل وترسب الأملاح في الجسم وأمراض فقر الدم التي أصبحت تعاني منها حوالي 80 % من النساء وتسبب وفاة 100 من كل ألف مريضة بفقر الدم.
ويقوم الصندوق الدولي لإنقاذ بحر الأورال من خلال فرع لجنته التنفيذية في نوقوس بأعمال واسعة لتخفيف آثار الأزمة البيئية في منطقة جنوب الأورال.
وقام الصندوق الدولي لإنقاذ بحر الأورال خلال عام 2006 بتقديم أدوية وفيتامينات بقيمة 46 مليون صوم لعدد من المستشفيات وبيوت الرحمة، وزود 34 مؤسسة طبية بمعدات لتصفية المياه بقيمة 12 ألف دولار أمريكي. وساهم بتحويل خزانات المياه لاستعمال الكلور السائل بقيمة 560 ألف دولار أمريكي.
كما أعلن عن عزمه تخصيص 1.200 مليار صوم خلال العام الجاري لتهيئة السكان للحياة في ظروف اقتصاد السوق.
[2]
وكان موضوع توفير المياه العذبة بالنسبة لوسط آسيا حاداً دائماً، ورغم أن حصة الفرد في الإقليم من المياه سنوياً تقدر بـ 2.600 متراً مكعباً إلا أنها غير كافية عملياً بسبب تبذير استخدامها أثناء ري الأراضي الزراعية.
وخلال الفترة الممتدة من عام 1960 وحتى عام 1990 زادت مساحة الأراضي المروية في وسط آسيا بنسبة 65 %، ورافقها زيادة في عدد السكان من 14 مليون نسمة، إلى 50 مليون نسمة، مما أدى إلى زيادة حاجة السكان إلى المياه من 60 ألف إلى 120 ألف متر مكعب في السنة.
وليس من الصعب استنتاج أن مشكلة توفير المياه والمياه الصالحة للشرب في وسط آسيا تزداد حدة، وعلى سبيل المثال يحصل 40 % فقط من السكان في أوزبكستان على المياه الصالحة للشرب، ويعاني من شح مياه الشرب النقية اليوم سكان جمهورية قره قلباقستان، وولايات خوارزم، وبخارى، ونوائي في جمهورية أوزبكستان.
ومن المعروف أن أوزبكستان تصرف على الري حوالي 90 % من مواردها المائية، ورغم ذلك فهي غير كافية، بسبب عدم فاعلية طرق الري المستخدمة حالياً.
إذ لا يصل للمزروعات المروية سوى 40 % من المياه المستخدمة في الري، وتضيع نسبة 40 % من المياه في شبكات الري قبل وصولها، ويضيع أثناء الري حوالي 20 % من المياه، والسبب بسيط هو أن 9 آلاف كيلو متر من أصل 28 ألف كيلو متر من قنوات الري والصرف الموجودة في أوزبكستان أو 32 % منها مكسوة بالإسمنت المسلح، والبقية تجري المياه في مجاريها الترابية، ويشير مؤشر الفائدة من نظام الري بالكامل إلى 0.58 فقط.
والقضية الغريبة الثانية تتمثل في أن الدول الخمس في الإقليم تملك كما أشرنا نهرين كبيرين مزودين بنظام تقني جيد للطاقة، وشبكات للري والصرف، وكادر متخصص على مستوى عالمي، ومع ذلك يلاحظ أن جمهوريات وسط آسيا تعاني من انخفاض الأساس القانوني والاقتصادي لتنظيم العلاقات المتبادلة بين تلك الدول في مجال تقسيم واستهلاك واستخدام الثروة المائية.
وعلى سبيل المثال تعاني قرغيزستان من أزمة في الطاقة، في الوقت الذي تطلق فيه شتاء مياه من خزان السد الضخم الموجود على أراضيها إلى الدول المجاورة، لعدم حاجتها لتلك المياه إطلاقاً، مسببة خسائر وتدمير كبير لتوازن النظام البيئي.
والقضية الغريبة الثالثة غياب السياسة المائية الدقيقة المبنية على أسس علمية واضحة في تلك الدول، وهو ما يعيق إمكانية القيام بإدارة فاعلة للموارد المائية في وسط آسيا، رغم أنه من الواضح أن أية دولة في وسط آسيا لا تملك بالكامل مشاكل مائية بمعزل عن الدول المجاورة وأنها ليست مؤهلة لحل تلك المشاكل بمفردها.
ويعزي الخبراء أسباب مشكلة بحر الأورال للنشاطات الاقتصادية غير المدروسة والإدارة غير المتشاور عليها للموارد المائية بين دول المنطقة.
ومن عام 1960 كان القسم الأكبر من مياه نهري أموداريا، وسرداريا تستخدم لري الأراضي الزراعية، وخلال الفترة الممتدة من عام 1965 وحتى عام 1990 توسعت المساحات المروية في حوض بحر الأورال بحدود 35 % تقريباً، مما أدى إلى زيادة استهلاك المياه لأكثر من الضعفين، وكل هذا حدث من أجل إنتاج قطن رخيص التكاليف، وأدى ذلك إلى خسارة بحر الأورال لأكثر من 70 % من موارده المائية، وأدى إلى تقلص مساحة سطحه المائي تدريجياً حتى وصل لأقل من النصف تقريباً، ورافق ذلك ارتفاع نسبة الترسبات المعدنية من 40 إلى 80 غرام في اللتر الواحد من الماء، وانخفاض مستوى مياه البحر إلى ما دون الـ 18 متراً، وأدى انحسار مياهه إلى كشف أكثر من 3.5 مليون هكتار من قاعه، لتؤدي بدورها إلى نتائج كارثية يلخصها المختصون بالتالي: تبدل جزئي للأحوال الجوية في المنطقة وشمل: حرارة الجو، والعواصف المشبعة بالأملاح... وغيرها من المواد الضارة؛ واختلال النظام الايكولوجي (البيئي) للبحر ودلتا نهري أموداريا وسيرداريا، وتقلص التنوع البيولوجي بشكل ملحوظ، وتبدل النظام البيئي في المنطقة المحيطة ببحر الأورال؛ وفقدان الأهمية الاقتصادية لبحر الأورال بسبب توقف الصيد البحري، والنقل البحري، واختفاء مناطق مصبات مياه الأنهار؛ وخروج أراضي دلتا النهرين المشار إليهما من الدورة الزراعة بسبب عدم كفاية المياه الصالحة للري وملوحة الأرض؛ وصعوبة وتوقف في بعض الأحوال توريد المياه الصالحة للشرب للسكان المحليين بسبب ارتفاع نسبة المعادن والتركز الشديد للعناصر الملوثة للمياه؛ والعجز الدائم للموارد المائية في الإقليم.
وعلى ما يبدوا أن المشاريع "الضخمة" التي جرى العمل على تطبيقها خلال العقود الأخيرة لم تخضع لتفكير عميق وكاف، وعلى سبيل المثال: قامت تركمانيا ببناء بحيرة صناعية أطلقت عليها اسم "القرن الذهبي" دون أخذ تأثيراتها البيئية، والاقتصادية، والسياسية بعين الاعتبار، بالإضافة للأوضاع السائدة في أفغانستان والتي كان لها تأثير على استقرار مستويات استهلاك المياه التي تزداد طرداً وباستمرار في المنطقة.
وفي هذه الظروف أصبح الاستنزاف الكبير والدائم للموارد المائية وعدم كفاية المياه من العوامل المعيقة للتطور الاقتصادي في إقليم وسط آسيا. وهنا نستطيع إضافة مشكلة ندرة المياه الصالحة للاستهلاك في المنطقة المحيطة ببحر الأورال والتي أدت بدورها إلى زيادة هجرة السكان منها، لتصبح قضية الأمن المائي والاقتصادي في دول وسط آسيا تتمتع بأهمية خاصة، ويتطلب حلها إيجاد ظروف حياة أفضل للجيل الحالي وللأجيال القادمة.
ومن أجل تخفيض احتمال زيادة حدة الأوضاع، وتهديدات الأمن والأخطار البيئية، والأكثر من ذلك تجنب "الحروب المائية"، كان من الضروري تحديد اتجاهات رئيسية للبحوث العلمية والتطبيقية والإجراءات العملية المتبعة في مجال المصالح المائية لدول المنطقة بدقة، لأنه على ما يبدوا أن دول وسط آسيا تحتاج لاتخاذ جملة من القرارات المتوازنة التي يجب أن يعد لها بعمق من أجل حل المشاكل التالية: الاستخدام الفعال لموارد مياه المجاري السطحية العابرة لحدود دول الإقليم؛ وخفض تلوث مجاري المياه السطحية، والجوفية في المناطق الحدودية بين الدول الواقعة داخل الإقليم، بالنفايات الصناعية، والزراعية، ومجاري الصرف الصحي؛ وزيادة القدرة التخزينية للسدود والحواجز المائية الطبيعية، والصناعية وغيرها من المنشآت المائية الهامة؛ والاتفاق على نظم موحدة للرقابة على الموارد المائية المشتركة في الإقليم والتنبؤ بالكوارث والطوارئ الطبيعية الناتجة عن المصادر المائية؛ وإقامة نظم وظيفية إقليمية لمنع تدهور نوعية الموارد المائية والإقلال من نتائج الكوارث المائية الكبيرة؛ والاتفاق على إجراءات مشتركة متفق عليها لحل أزمات شح المياه.
كما ويرى الخبراء أن الجهود التي تقوم بها كل دولة من دول الإقليم على حدا غير كافية لأن فعالية حماية المنشآت المائية والحفاظ عليها ووقف تدهور مواصفات الموارد المائية ستكون قليلة الفوائد في حال عدم تنسيق الإجراءات على المستوى الإقليمي.
وهنا لا بد من الإشارة للجهود الدولية المبذولة لتحسين شبكات توزيع مياه الشرب في جمهورية قره قلباقستان وولايات جيزاخ، وطشقند، وخوارزم، وبخارى، وسمرقند، وسرداريا، وقشقداريا في جمهورية أوزبكستان. فقد خصصت لها 20 مليون دولار أمريكي قدم البنك الآسيوي للتنمية منها 11 مليون دولار أمريكي. بالإضافة لمشاركة الشركة الكورية الجنوبية "شيندونغ إنيركوم"، والشركة التركية "ALKE" في أعمال تحسين شبكة مياه الشرب.
[3] كما وتشارك الدول الخمس في وسط آسيا (أوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان) و12 دولة من خارجها في تطوير البرنامج الذي بدأ ويستمر لمدة 10 سنوات بكلفة 1.4 مليون دولار أمريكي من أجل استصلاح وتدعيم وزيادة إنتاج الأراضي الزراعية. ويقوم بنك التنمية الأسيوي بتنسيق أعمال برنامج صندوق البيئة العالمي وينفذها. وهذا البرنامج مهم لأوزبكستان لأن 50% من أراضيها تشغلها الزراعة وتحتاج لجهود لتحسين إنتاجها، وحمايتها من التملح، والتآكل، والتصحر. ومن خلال البرنامج ستحل مسائل المحافظة على التنوع البيولوجي، وإدارة المساحات المخصصة للمراعي، والغابات، وإعادة النظام البيئي في منطقة بحر الأورال.
وحتى عام 2008 ستخصص أوزبكستان أكثر من 4 ملايين دولار أمريكي للتمويل المشترك لمشروعين هامين للوصول إلى استقرار النظام البيئي في قره قلباقستان، وصحراء قزل قوم وري الأراضي الزراعية هناك.
[4] وأشار أيمبيتوف، عضو مجلس الشيوخ في البرلمان الأوزبكي، وعضو أكاديمية العلوم الأوزبكية عن أهمية المشروع الذي أعلن عنه رؤساء دول وسط آسيا لإحياء بحر الأورال خلال قمة آستنة (كازاخستان)، وأشار إلى الإمكانيات التي يوفرها هذا المشروع لإحياء الزراعة وصيد الأسماك وتصنيعها في قره قلباقستان وحل الكثير من المشاكل البيئية والاجتماعية التي تعاني منها المنطقة. وأنه تم حتى الآن تجهيز بحيرة صناعية تزيد مساحتها عن 100 ألف هكتار يتوقع أن يصل حجم صيد الأسماك فيها إلى 600 طن وسطياً. وأشار أيمبيتوف للجهود الجارية في مجال إعادة الثروة السمكية عن طريق التفريخ الصناعي بعد أن فقدت البحيرة 85% من ثروتها السمكية بسبب الجفاف.
وحسب توقعات الخبراء فإن إعادة الحياة لبحر الأورال من جديد يمكن أن يوصل كمية إنتاج السمك إلى نحو 10 آلاف طن سنوياً، وهذا يتطلب عودة تدفق مياه الأنهار إلى البحر بمعدل 1.200 متر مكعب في السنة، خاصة بعد أن أنشأت تركمانيا بحيرة صناعية في أراضيها وأنشأت لذلك سد تويامويون الذي يمنع وصول كميات كبيرة من المياه والأسماك إلى بحر الأورال، وحل هذه المشكلة يمكن أن يتم عن طريق توقيع اتفاقية لاقتسام المياه بين الدول الثلاث التي يجري نهر أموداريا ضمن أراضيها وهي: طاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان.
[5] وهنا لابد من الإشارة إلى أن مياه نهر أموداريا تجري في القطاع الفاصل بين الدولتين على الحدود الأوزبكية الأفغانية وهذا يعني أنه لا بد أن يكون لأفغانستان أيضاً دوراً في اتفاقية اقتسام مياه النهر.
وهنا لابد من الإشارة إلى مشروع سابق يمكن أن يتم عن طريقه تزويد وسط آسيا بقسم من المياه الجارية في الأنهار السيبيرية، وظهرت فكرة المشروع عام 1868، أي قبل أكثر من مائة عام، وعاد للظهور في ستينات القرن الماضي، وبدأ تنفيذه فعلاً عام 1986، ومن بين تلك المقترحات التي قدمت في هذا الاتجاه الاقتراح الذي قدمته القيادة الأوزبكية خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين لتوفير مصادر مياه للري من خارج أوزبكستان لتعويض المياه المحلية التي استنفذت وأدت لانحسار مياه بحر الأورال المغلق، ولتفادي الأخطار البيئية التي بدت واضحة حينها. واقترحت القيادة الأوزبكية تحويل جزء من مياه نهري إرتش وأوب السيبيريين عبر قناة طولها 2550 كم عبر نهر سرداريا لتصب في بحر الأورال. ولكن موسكو رفضت هذا الاقتراح في كانون الأول/ديسمبر عام 1983م جملة وتفصيلاً لأنه ينطوي على نتائج تهدد البيئة في الجزء الشمالي من الاتحاد السوفييتي السابق، وأن تكاليفه المالية ضخمة.
[6]
وكان من المنتظر أن يأخذ المشروع قسماً صغيراً جداً من المياه الجارية في واحدة من الأنهار السيبيرية وفيرة المياه، وبالتحديد نهر أوب، وكان من المتوقع أن يتم ذلك من مكان التقائه بنهر إرتيش بالقرب من مدينة خانتي مانسيسك (روسيا). بقناة يبلغ طولها 2550 كم عبر نهر سرداريا لتصب في بحر الأورال.
وكان من المقرر أخذ حوالي 27 ألف متراً مكعباً أو 7% من المياه الجارية في نهر أوب، والتي تصب في المحيط المتجمد الشمالي. ويعتقد الخبراء أن مثل هذه الكمية من مياه مجاري أحد الأنهار السيبيرية لا يمكن أن تؤدي إلى أية أضرار لسيبيريا من النواحي الاقتصادية، ولا من النواحي البيئية.
وسيؤدي تزويد نهر سرداريا، الملوثة مياهه بالأملاح في وسط وأسفل مجراه بوسط آسيا، بالمياه العذبة النقية من نهر أوب، إلى تحسين أوضاعه، والتخفيف من الأزمة البيئية التي تعيشها منطقة وسط آسيا اليوم بسبب النقص الشديد للموارد المائية، التي تؤدي للجفاف التدريجي لمياه بحر الأورال.
وكان من المنتظر نقل المياه من سيبيريا إلى وسط آسيا عبر قناة تجر قسم من المياه تبلغ ألف متر مكعب، ويمكن توجيهها أيضاً إلى المنطقة الصناعية في جنوب الأورال، ومنطقة كوغانسك شحيحة المياه في روسيا، وكمية 4000 متر مكعب من المياه إلى المناطق الجافة في شمال كازاخستان لري محاصيل الحبوب التي تزرع هناك بكثرة.
ويمكن لمشروع بناء قناة سيبيريا وسط آسيا حل مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة، في المنطقة الوسطى من روسيا، وغرب سيبيريا، ومناطق واسعة من الشمال الروسي والمراكز الصناعية في جنوب الأورال، ومنطقة ضخمة من وسط آسيا. واعتبر الخبراء أن تحقيق مشروع كهذا يمكن أن يتحول إلى جسر اقتصادي قوي، يربط بين دول وسط آسيا وروسيا. ويوفر الفرصة: أولاً: لاستقرار التطور الداخلي لكل تلك الدول؛ وثانياً: تطوير التعاون الاقتصادي الواسع بين تلك الدول.
والمياه السيبيرية عندما تأتي للتخفيف من الأزمة الحادة التي تعاني منها منطقة حوض بحر الأورال، توفر إمكانيات لتطوير مساحات الأراضي المروية، التي تحتاجها بشدة دول وسط آسيا، وتوفر فرص العمل للسكان، وترفع من مستوى إنتاجية المواد الغذائية وغيرها من المحاصيل الزراعية التي يمكن تصدير كميات كبيرة منها من وسط آسيا إلى المناطق الوسطى ومدن روسيا وهي منتجات خالية من التلوث بسبب ريها من المياه السيبيرية العذبة وخاصة الفواكه والخضار والعنب وغيرها من المنتجات الزراعية الغذائية، والقطن وغيرها من المنتجات الزراعية.
كما وتوفر قناة سيبيريا في نفس الوقت لوسط آسيا التطور الصناعي وإنتاج الطاقة والنقل والمواصلات والنقل بالسكك الحديدية على طول القناة، لتشكل بنية تحتية متنوعة.
وتناول المؤتمر الدولي الذي انعقد في طشقند عام 2002 تحت عنوان "مشاكل الأورال والمنطقة المحيطة به – نحو تعاون دولي"، موضوع إحياء مشروع بناء قناة سيبيريا وسط آسيا وهو الذي بادرت لعقده منظمة "إكوسان" وممثلية روس زاروبيج تسنتر في جمهورية أوزبكستان.
وكان المؤتمر بمثابة تظاهرة لحماية البيئة وشارك فيه علماء ومتخصصين في المياه من الفيدرالية الروسية وأوزبكستان، وممثلين عن الوزارات والمؤسسات التي لها علاقة باستخدام الموارد الطبيعية، وممثلين عن المنظمات غير الحكومية، والسلك الدبلوماسي، ورجال الدين، وعدد من المنظمات الدولية ووسائل الإعلام الجماهيرية.
وخرج المؤتمر ببيان عبر عن ضرورة إحياء العمل في مشروع بناء قناة سيبيريا وسط آسيا وتحقيقه. من خلال أسس تنظيمية اقتصادية جديدة، تأخذ باعتبارها الأوضاع الراهنة وتجذب الموارد الحكومية للدول المعنية، والمستثمرين الأجانب ورؤوس الأموال الخاصة لرجال الأعمال والتجار من خلال إقامة شركة مساهمة خاصة لتحقيق المشروع.
والسؤال الذي يطرح نفسه في الوقت الحاضر هو إلى أي مدى ستؤثر سلباً أم إيجاباً المشاريع الاستثمارية النفطية الضخمة الجارية حالياً بمنطقة بحر الأورال على الأعمال الجارية لإعادة نسبة مخزون المياه في البحر إلى ما كانت عليه قبل جفاف القسم الأعظم منه والتخفيف من أثار الكارثة البيئية في المنطقة ؟
خاصة وأن اللجنة الحكومية لحماية البيئة بجمهورية قره قلباقستان تقوم بأعمال كبيرة من أجل استقرار الوسط البيئي في حوض بحر الأورال وحماية الفلور والفاونا خلال السنوات من 2006 وحتى 2010.
وبهدف تحسين أوضاع الأرض ورفع مستوى إنتاجها الزراعي وتطوير تربية الأسماك واستمرار تزويد البحيرات الصناعية بالمياه النظيفة في منطقة مويناك بقره قلباقستان. والحد من تناثر غبار الأملاح مع الرياح من قاع البحر المكشوفة بسبب جفاف مياهه تم زراعة شجيرات الساكساؤول، والكانديم، وتشيركيس على مساحة 5 آلاف هكتار حتى الآن. ويطبق مشروع خاص لصيانة وإعادة استخدام نظام الري المستعمل في أوزبكستان بتمويل من البنك الدولي. ويشمل المشروع أعمال الشركة الصينية "سينو خايدرو" الفائزة بالمناقصة الدولية. وبعد تنفيذ المشروع بالكامل سيتوقف صب المياه الجوفية في مناطق إلليك قلعة، وتورتكول، وبيروني في مجرى نهر أموداريا، وستصب بشكل مباشر في بحر الأورال عبر جاندار. ونتيجة لذلك ستظهر إمكانيات لتحسين الأوضاع لري 100 ألف هكتار من الأراضي، إضافة لاستقرار الأحوال البيئية والجوية في المنطقة.
[7]
3 ربيع الأول 1428هـ الموافق 22 مارس 2007.

مراجع استخدمت في البحث:
1. أنطونوف ف.: مهندس ري: مشروع، يجب إحياءه. نارودنويه صلوفا 10 يوليو 2002. (باللغة الروسية)
2. أ. أرتيقباييف: استمرار العمل لتحسين الوسط البيئي في حوض الأورال. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، 16/3/2007. (باللغة الروسية)
3. أ. أرتيقباييف: جوكارغي كينيسي جمهورية قره قباقستان يعقد جلسة. طشقند: صحيفة "نارودنويه صلوفا"، ووكالة أنباء "UZA" 22/2/2007. (باللغة الروسية)
4. بروخوروف أ.م.: القاموس الموسوعي السوفييتي. موسكو: سفيتسكايا إنتسيكلوبيديا، 1989. (باللغة الروسية)
5. تحسين شبكة مياه الشرب. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، 24/3/2006. (باللغة الروسية)
6. جمهورية أوزبكستان السوفييتة الاشتراكية. المحرر الرئيسي: زوفاروف ك.ا.، طشقند: دار الموسوعة السوفييتية الأوزبكية، 1981. (باللغة الروسية)
7. عظمات عزيزوف: مشاكل إدارة الثروة المائية في آسيا المركزية. طشقند: مجلة "إيكونوميشسكية أبازرينيه"، العدد 7، 2004. (باللغة الروسية)
8. للاستصلاح والزيادة. طشقند: وكالة أنباء "JAHON"، 22/11/2006. (باللغة الروسية)
9. أ.د. محمد البخاري: دراسة عن جمهورية قره قلباقستان. 19 فبراير 2007. (باللغة العربية)
10. أ.د. محمد البخاري: المصالح المشتركة في العلاقات العربية الأوزبكستانية. دمشق: دار الدلفين للنشر الإلكتروني (WWW.dardolphin.com)، 11/8/2006. (باللغة العربية)
11. من أجل حل المشاكل التي تواجه حوض الأورال. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، 4/11/2006. (باللغة الروسية)
12. مليارات للأعمال الخيرية. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، وصحيفة "نارودنويه صلوفا"، 3/2/2007. (باللغة الروسية)
13. أ.د. نعمة الله إبراهيموف، أ.د. محمد البخاري: جمهورية أوزبكستان بين الأمس وآفاق المستقبل. معهد طشقند العالي للدراسات الشرقية، 2004، لم ينشر بعد. (باللغة العربية)

هوامش:
1 أ.د. نعمة الله إبراهيموف، أ.د. محمد البخاري: جمهورية أوزبكستان بين الأمس وآفاق المستقبل. 2004، كتاب غير منشور. ص 23 -25.
2 مليارات للأعمال الخيرية طشقند: وكالة أنباء "UZA"، صحيفة "نارودنويه صلوفا"، 3/2/2007.
3 تحسين شبكة مياه الشرب. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، 24/3/2006.
4 للاستصلاح والزيادة. طشقند: وكالة أنباء "JAHON"، 22/11/2006.
5 من أجل حل المشاكل التي تواجه حوض الأورال. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، 4/11/2006.
6 أ.د. نعمة الله إبراهيم، وأ.د. محمد البخاري: جمهورية أوزبكستان بين الأمس وآفاق المستقبل. 2004، كتاب غير منشور. ص 23 -25.
[7] أ. أرتيقباييف: استمرار العمل لتحسين الوسط البيئي في حوض الأورال. طشقند: وكالة أنباء "UZA"، 16/3/2007.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق