الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

الشهيد البطل يوسف العظمة


الشهيد البطل يوسف العظمة


يوسف العظمة
يوسف بيك بن إبراهيم بن عبد الرحمن العظمة، سليل أسرة دمشقية عريقة من أصول كردية توارثت التقاليد العسكرية منذ القرن السابع عشر الميلادي.
ولد يوسف العظمة في منتصف شهر رجب عام 1301هـ الموافق 9/4/1884م، بالصمادية في حي الشاغور بمدينة دمشق ، وكان أبوه موظفاً في إدارة المالية بدمشق، وتوفي حين كان يوسف العظمة لم يزل في سن السادسة من عمره، وتعهد تربيته شقيقه الأكبر عبد العزيز، ودخل المدرسة الابتدائية في الياغوشية القريبة من دارهم، وبعدها التحق بالمدرسة الرشيدية العسكرية في جامع يلبغا بحي البحصة في دمشق عام 1893م، وبعد ذلك تابع دراساته العسكرية في دمشق بالمدرسة الإعدادية العسكرية في جامع دنكز، وبعد عام واحد في عام 1900م انتقل إلى مدرسة قلهلي الإعدادية العسكرية الواقعة على شاطئ مضيق البوسفور في الأستانة "اسطنبول" و بعد سنة تخرج منها ضابطاً في سلاح الفرسان.
وفي عام 1901م التحق بالمدرسة الحربية العالية في الريانغالتي بالأستانة وتخرج منها عام 1903 برتبة ملازم ثان، وفي عام 1905م أصبح ملازماً أول.
والتحق بمدرسة أركان الحرب وأتم فيها تحصيله للعلوم والفنون الحربية العالية وحصل على رتبة نقيب ركن عام 1907م، وكان الأول بين رفاقه في صفوف المدرسة وكوفئ بالميدالية الذهبية (وسام المعارف الذهبي) التي أحدثها السلطان عبد الحميد الأول لطلاب المدارس العالية.
واختارته القيادة العسكرية العثمانية معاوناً للقائد الألماني ديتفرت، وكانت العلاقات العثمانية الألمانية آنذاك قوية، وسبب اختيارة كان لإجادته اللغات: الألمانية، والتركية، والفرنسية، قراءة وكتابة وتحدثاً بالإضافة إلى لغته الأم العربية. وبعد ذلك أرسل إلى لواء الفرسان المرابط في ثكنة رامي بالأستانة، ونقل بعدها إلى فوج المشاة القناصة (تشانجي) العاشر في بيروت وعهد إليه بتعليم الجنود اللبنانيبن.
واستدعي في عام 1908م إلى الآستانة وعين مدرباً مساعداً لمادة التعبئة في مدرسة أركان الحرب التي أحدثت آنذاك في قصر يلدز، وفي عام 1909م نقل إلى الجيش العثماني المرابط في الرومللي على البر الأوروبي، وفي نفس العام أرسل ببعثة عسكرية إلى ألمانيا ليلتحق بمدرسة أركان الحرب العليا لمدة سنتين، وعاد بعدها إلى الأستانة على أثر مرض أصابه بسبب شدة البرودة في ألمانيا، وعين ملحقاً عسكرياً في المفوضية العثمانية العليا بالقاهرة.
وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) عين يوسف العظمة رئيساً لأركان حرب الفرقة الخامسة والعشرين المرابطة في بلغاريا، وشارك مع القوات الألمانية في ميادين القتال بالنمسا، ومقدونيا، ورومانيا. وكان موضع ثقة وتقدير قائد الجبهات المارشال ماكترون قائد القوات الألمانية المحاربة الذي ضمه إلى هيئة أركان حربه باسم الجيش العثماني. وبعد عودته إلى الآستانة اختاره وزير الحربية العثمانية أنور باشا مرافقاً له وتنقل معه لتفقد الجيوش العثمانية في الأناضول، وسورية، والعراق، وعلى أثر احتقان الموقف في جبهة القفقاس عيِّن رئيساً لأركان حرب القوات المرابطة في القفقاس.
ونال يوسف العظمة خلال دراسته، ولقاء خدماته في الجيش العثماني عدة أوسمة وميداليات تقديراً لنبوغه ومواهبه العسكرية المتميزة. وقام خلال فترة خدمته في الجيش العثماني بإعداد برامج متقدمة للتدريب العسكري، وأنظمة إعداد وأساليب التعامل مع الجنود، وترجم كتاب روكر من اللغة الألمانية إلى اللغة التركية ونشر تحت عنوان (بيادة عجمي نفري نصل تيشدرلر) أي كيفية إعداد الجندي المبتدئ من الناحيتين الجسدية والمعنوية للعسكرية، والكتاب محفوظ حالياً بمكتبة المتحف الحربي باسطنبول تحت رقم 2/617EHT .
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى في نهاية تشرين الأول/أكتوبر عام 1918م عقدت هدنة بين المتحاربين وعاد يوسف العظمة إلى الأستانة، ومنها نقل إلى دمشق، مسقط رأسه، بعد دخول الأمير فيصل بن الحسين إليها. وفي دمشق اختاره الأمير فيصل بن الحسين مرافقاً له، ومن ثم عينه معتمداً عربياً في بيروت.
وذكر عبد العزيز العظمة الشقيق الأكبر ليوسف في مذكراته أن يوسف رحمه الله كان يلتهب غيرة على الوطن، وكان يعتقد أن بإمكان سورية  أن تكون نواة دولة عربية موحدة كبرى تجمع حولها جميع الأقطار العربية، إذا نظمت دولتها وجيشها، وكان ينادي ببذل النفس والنفيس لإعلاء شأن الوطن، وأصبح مرجعاً محترماً للأهالي والقوميين العرب حينذاك، وتمتع بنفوذ كبير في الساحل مما دفع بالجنرال غورو للشكوى ضده خلال اجتماعه بسمو الأمير به في بيروت (بعد عودة الأمير فيصل من أوروبا) وطالب بإبعاده عن بيروت.
وبالفعل تم سحب يوسف العظمة من بيروت وعين رئيساً لأركان حرب القوات العربية في سورية، وبدأ بتأسيس الجيش العربي السوري، وقام خلال فترة وجيزة بتشكيل جيش عربي يشبه في نواته وتنظيماته وتدريباته الجيوش الألمانية المنظمة وكان قوامه يزيد عن عشرة آلاف جندي.
وبعد إعلان استقلال سورية وتتويج الأمير فيصل ملكاً عليها في 8/3/1920م. توضحت نوايا الغدر الاستعماري الفرنسي الإنكليزي وخاصة بعد صدور مقررات مؤتمر سان ريمو 25/4/1920م، التي نصت في واحدة من بنودها على وضع سورية ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي، وتأزمت الأوضاع بين حكومة سورية والحكومة الفرنسية مما دعا إلى تأليف وزارة دفاعية جديدة في البلاد برئاسة هاشم بك الأتاسي وشغل يوسف العظمة فيها منصب وزير الحربية.
واختياره لهذا المنصب الخطير في هذه الفترة العصيبة من تاريخ سورية يدل على تقدير المسؤولين الكبير آنذاك لماضيه العسكري ومواهبه وخبراته الواسعة، إضافة لحماسته الوطنية، وغيرته على استقلال البلاد، وكان خير من تسلم هذا المنصب الأول ومهمة الدفاع عن البلاد في تلك الظروف الخطيرة.


خريطة سايكس بيكو
وسرعام ما كشَّر الفرنسيون عن أنيابهم وأظهروا نواياهم الاستعمارية من خلال إنذار غورو الذي كان من أول شروطه: تسريح الجيش؛ وإيقاف التجنيد الإجباري؛ وقبول الانتداب الفرنسي؛ بكل ما فيها من استفزاز للمشاعر الوطنية.
وعلى الرغم من قبول الحكومة العربية السورية للإنذار، والعدول عن فكرة المقاومة، وقبول مطالب الجنرال غورو، وإصدارها الأوامر بتسريح الجيش العربي السوري، وسحب الجنود من روابي قرية مجدل عنجر، مخالفة بذلك قرار المؤتمر السوري العام (البرلمان)، ورأي الشعب المتمثل بالمظاهرات الصاخبة المنددة بالإنذار وبمن يقبل به، فإن القوات الفرنسية بدأت زحفها من البقاع باتجاه دمشق وعلل غورو ذلك بتأخر وصول رد الحكومة السورية بقبول الإنذار (الجواب تأخر نصف ساعة فقط)، وعندها لم يكن أمام أصحاب الغيرة والوطنية إلا المقاومة حتى الموت وكان على رأس هذا الرأي وزير الحربية يوسف العظمة.
وذكر ساطع الحصري (أحد رجال حكومة فيصل آنذاك) في مذكراته: كان يوسف العظمة يعمل بنشاط، ويظهر تفاؤلاً كبيراً، وقد أتم الترتيبات العسكرية اللازمة ووضع الخطة العسكرية المحكمة للدفاع، وعَين القواد الذين عهد إليهم بإدارة الحركات وتنفيذ الخطة في مختلف الجبهات وأهمها جبهة مجدل عنجر في البقاع.
وكانت كلمة يوسف العظمة في الاجتماع العسكري الذي عقد في ساعات الخطر برئاسة الأمير زيد لمواجهة تخوف عدد من كبار الضباط من خوض المعركة وقال: معاذ الله أن نستسلم لليأس والقنوط. وبدأ باتخاذ التدابير العسكرية السريعة ومنها:
وقف أعمال التسريح، والاتصال ببعض العلماء أصحاب التأثير على الشعب لدعوة الناس إلى التطوع والسير نحو الجبهة، أمثال المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ كامل القصاب... ونتيجة لذلك توجه المئات من المتطوعين إلى الجهاد وعلى رأسهم بعض علماء الدين.
ويقول قائد جبهة ميسلون حسن تحسين الفقير في مذكراته: أنهم أبلوا بلاءاً حسناً في قتال العدو وأوقعوا فيه خسائر كبيرة واستشهد معظمهم طيب الله ثراهم. وكان يوسف العظمة على رأسهم، وهو المعروف باعتزازه بإسلامه وعروبته والملتزم بفروض دينه وتعاليمه متحلياً بالأخلاق الإسلامية.

النصب التذكاري للشهيد البطل يوسف العظمة
وسار إلى جبهة ميسلون كقائد للمجاهدين لا كوزير حربية وخاض معركة استشهادية لم يكن منصبه يلزمه على خوضها، لكن إيمانه وصدق إخلاصه لوطنه وسمعته وشرفه وكرامة أمته، دفعه إلى خوض معركة الشهادة يوم السبت 24/7/1920م، وكان من أول شهدائها حيث روى بدمه الطاهر أرض ميسلون وانتقلت روحه الطاهرة إلى عالم الخلود، ودفن حيث وقع شهيداً.
بعد أن حارب المجاهدون المتطوعون الفرنسيين بمعركة كبيرة غير متكافئة بين القوات العربية السورية حديثة الولادة بقيادة أول وزير حربية عربي سوري من جهة، وبين الجيش الفرنسي المدجج بالسلاح والذي جاء لاحتلالّ سورية بقيادة الجنرال غوابيه غورو. سقط يوسف العظمة شهيداً ودفن في مقبرة الشهداء بميسلون على بعد 28 كيلو متراً شمال غرب دمشق.
وتشير المصادر إلى أنه شارك في هذه المعركة حوالي ثلاثة آلاف جندي متطوع مزودين بأسلحة قديمة، ليواجهوا تسعة آلاف ضابط وجندي فرنسي، مسلحين بالدبابات والسيارات والمصفحات والطائرات والأسلحة الحديثة الأخرى، واستشهد يومها إلى جانب وزير الدفاع البطل أربعمائة مجاهد.
ويعتبر يوسف العظمة أول وزير دفاع عربي يستشهد في أرض المعركة، وأعظم وزير دفاع عربي حتى الآن.
وفي ذكرى استشهاده يقام سنوياً احتفال عند ضريحه بمقبرة الشهداء بميسلون الذي كتب عليه: يوسف العظمة، وزير الحربية، في 7 ذي القعدة سنة 1338 هجرية. وتحمل إليه أكاليل الورود من مختلف أنحاء سورية.


ليلى يوسف العظمة
لم يخلف يوسف العظمة من الذرية إلا ابنة وحيدة هي ليلى، التي تزوجت المحامي السوري المعروف سيف الدين المأمون وأنجبت منه ابنهما ملهم الذي سعدت بالتعرف عليه ومصادقته في أواخر ستينات القرن الماضي، وكان لي شرف التعرف على والدته أثناء إحدى زياراتي لمنزلهم القريب من الطلياني بدمشق، ولمست أصابعي بعض مقتنياته الشخصية ومن بينها سيفه، ومسدسه. ويذكر أن منزله في حي المهاجرين بدمشق حول إلى متحف خاص يضم بعض مقتنياته الشخصية.

بحث كتبه أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 22/7/2014

للمزيد يمكن الإطلاع على:

1. أ.د. محمد البخاري: المشرق العربي في سياسة المصالح الغربية. نشرت يوم 24/5/2014 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2014/05/blog-post_24.html
2. أ.د. محمد البخاري: أساطير عن مؤسس الجمهورية التركية. نشرت يوم 13/1/2013 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2013/01/blog-post_13.html
3. أ.د. محمد البخاري: آثار انهيار الدولة العثمانية على المجتمع التركي في المراجع الروسية 27/8/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/08/blog-post_721.html
4. أ.د. محمد البخاري: إنهيار مشروع الجمهورية التركية السوفييتية. نشرت يوم 26/9/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/09/blog-post_26.html
5. أ.د. محمد البخاري: بدايات الاستعمار الاستيطاني والصراع الأوروبي الأمريكي للسيطرة على الثروات الباطنية في المشرق العربي. نشر يوم 5/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_5.html
6. أ.د. محمد البخاري: اتصالات الشريف حسين بالبريطانيين ووعد بلفور. نشرت بتاريخ 2/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_2.html
7. أ.د. محمد البخاري: من الغزو الإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال والإستعمار الأوروبي المباشر للمشرق العربي. نشر بتاريخ 1/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_1.html
8. أ.د. محمد البخاري: بدايات الإستعمار الإقتصادي والثقافي الأوروبي للمشرق العربي. نشرت يوم 1/8/2012على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post.html
9. أ.د. محمد البخاري: تقسيم أراضي المشرق العربي بين الدول الغربية المنتصرة في الحرب. نشر يوم 7/8/2012 على الرابط؛ http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_7.html
10. أ.د. محمد البخاري: المشرق العربي في سياسة المصالح الخارجية للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى 19/9/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/09/blog-post_19.html
11. أ.د. محمد البخاري: الجزيرة العربية وبلاد الشام في سياسة المصالح الخارجية للدول المنتصرة في الحرب 30/8/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/08/blog-post_30.html
12. أ.د. محمد البخاري: المجتمع التركي كما رآه المفكرون الروس في القرن العشرين 27/8/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/08/blog-post_7939.html
13. أ.د. محمد البخاري: مطالب العرب بالإستقلال التام. نشرت يوم 9/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/3041919.html
14. موسوعة الأعلام للزركلي. ج8، ص213.





هناك تعليقان (2):

  1. بحث رائع ومستفيض وليس لنا الا ان نشكرك مع اضافة متواضعة انه بعد رحيل العثمانيين غن سورية خيروه بين أن يبقى عندهم او يعود الى وطنه لكنه اختار العودة الى بلاده.

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً على الإضافة القيمة

      حذف